في خطوة وصفت بالعنصرية والاستفزازية، أصدر وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير توجيهات صريحة بمنع الأذان في مساجد الداخل الفلسطيني المحتل، بحجة الحد من “الضوضاء”، في تصعيد خطير يستهدف صميم الهوية الدينية والثقافية للفلسطينيين في أراضي الـ48.
هذه التوجيهات أثارت موجة تنديد وغضب فلسطيني، وعلى رأسها تحذيرات شديدة اللهجة من حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، التي اعتبرت القرار شكلاً من أشكال “الحرب الدينية” التي تشنها حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة، محذرة من عواقب شعبية وأمنية واسعة النطاق.
![]()
حماس: الأذان خط أحمر.. والعدوان تجاوز كل الحدود
أعربت حركة حماس عن رفضها المطلق لسياسة بن غفير، مؤكدة أن توجيهاته تشكل “استفزازًا سافرًا لمشاعر المسلمين في كل أنحاء العالم”، وتكشف عن توجه عنصري لا يستهدف فقط الأرض، بل العقيدة والشعائر والمقدسات.
ووصفت الحركة هذه الخطوة بأنها “تصعيد خطير” ضمن سلسلة الانتهاكات التي تطال الفلسطينيين في الداخل المحتل، وخاصة في المدن المختلطة مثل اللد وعكا ويافا وحيفا.
وأضافت في بيانها أن استهداف الأذان – وهو أحد أهم مظاهر الهوية الإسلامية – يمثل إعلانا لحرب دينية ممنهجة تقودها الحكومة الإسرائيلية بقيادة اليمين المتطرف، على رأسها بن غفير المعروف بعدائه الصريح للعرب والمسلمين.
وشددت الحركة على أن “هذا العدوان لن يمرّ مرور الكرام”، داعية جماهير الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل إلى تصعيد الحراك الشعبي والسياسي، دفاعًا عن المساجد والمآذن، وتأكيدًا على التمسك بالحقوق الدينية والتاريخية التي كفلتها المواثيق الدولية.
كما حملت الاحتلال المسؤولية الكاملة عن أي انفجار شعبي قادم نتيجة هذا التحريض على الشعائر الإسلامية.
بن غفير.. الوجه العنصري الفج لحكومة الاحتلال
خطوة بن غفير لم تكن مفاجئة لمن يراقب أداءه منذ وصوله إلى منصبه ضمن حكومة بنيامين نتنياهو الأكثر تطرفًا في تاريخ الاحتلال. فالرجل الذي رفع شعار “الموت للعرب” في مسيراته الانتخابية، لم يُخفِ يومًا تطلعاته لتفريغ فلسطين التاريخية من سكانها الأصليين، وطرد العرب من المدن المختلطة، وإحلال الطابع اليهودي الخالص عليها.
وفي الاجتماع الأخير الذي عقده مع قيادات الشرطة، طالب بن غفير باتخاذ خطوات “عملية وسريعة” لإيقاف ما سماه “ضجيج المساجد”، وأوعز باستخدام القانون لتقييد استخدام مكبرات الصوت، في تحدٍ صارخ لحرية العبادة وللقوانين الدولية.
صحيفة هآرتس الإسرائيلية التي كشفت هذه التعليمات، نقلت عن مصادر أمنية تخوفها من أن تؤدي هذه الإجراءات إلى إشعال التوتر داخل المدن التي تشهد أصلًا احتقانًا متراكمًا نتيجة السياسات التمييزية في التعليم والإسكان والعمل.
وفي سياق عنصريته، لا يعترف بن غفير بوجود الشعب الفلسطيني أصلًا، ويعتبر أن “يهودا والسامرة”، أي الضفة الغربية، يجب أن تُضم رسميًا لدولة الاحتلال. ويتفاخر في كل مناسبة بأنّه من أتباع الحاخام المتطرف مئير كهانا الذي دعا إلى ترحيل العرب جماعيًا.
الداخل المحتل.. صراع الهوية في وجه التهويد
مساجد الداخل الفلسطيني لم تكن في مأمن من سياسات التهويد منذ عقود، ولكن حكومة نتنياهو الحالية، بقيادة وزراء متطرفين أمثال بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، دفعت بهذا التوجه إلى أقصى درجات العداء الديني. فالهجوم على الأذان ليس فقط استهدافًا للعبادة، بل محاولة واضحة لمسح الطابع العربي والإسلامي من أراضي 1948، وتكريس واقع دولة يهودية خالصة.
الفلسطينيون في الداخل – الذين يشكلون نحو 20% من سكان “إسرائيل” – يعانون من تمييز هيكلي على جميع المستويات، من توزيع الميزانيات والتعليم، إلى الهدم المتكرر للمنازل والحرمان من التخطيط العمراني. والآن، تتجه الدولة إلى ميدان جديد: محاربة الصوت الذي يرفع خمس مرات في اليوم ليربط الفلسطيني بأرضه وهويته.
هذا الاستهداف يُفهم في سياق أوسع، يتزامن مع اقتحامات متكررة للمسجد الأقصى، وسياسات تضييق على الحريات الدينية في الضفة الغربية، وتغول استيطاني غير مسبوق. والرسالة واضحة: أي تعبير عن الهوية الفلسطينية، سواء كان شعائر دينية أو رموز ثقافية، هو هدف لحكومة الاحتلال.
“الحرب على الأذان لن تُسكت النداء”
تحذيرات حماس، والغضب المتصاعد في الداخل الفلسطيني، يشيران إلى أن إسرائيل بدأت معركة لن تكون هادئة. حربها على الأذان، وعلى المساجد، لن تمر دون مقاومة. فالهوية الفلسطينية، بكل مكوناتها الدينية والثقافية، أثبتت عبر الزمن أنها عصية على الطمس.
الاحتلال الذي أخفق في القضاء على المقاومة المسلحة، سيجد نفسه في مواجهة جديدة مع مقاومة من نوع آخر، مقاومة الحفاظ على الصوت الذي لطالما أزعج مستعمري الأرض: “الله أكبر”. وهذه الحرب، كما يبدو، ليست سوى جولة جديدة من الصراع المفتوح على كل ما هو فلسطيني، وكل ما هو مقدس.
اقرأ أيضًا : ردًّا على جرائم الاحتلال.. هجوم بعبوة حارقة على فعالية صهيونية في كولورادو يربك الرواية الأمريكية