في تحليل مطوّل يعكس حجم الانفجار الذي تشهده الضفة الغربية، قالت صحيفة لوموند الفرنسية إن إسرائيل باتت تفرض “نظامًا غير مسبوق من الإرهاب”، يجمع بين عنف الجيش والمستوطنين والأجهزة الأمنية، ويحوّل حياة الفلسطينيين إلى سلسلة لا تنتهي من الخوف والمطاردة والغموض. وبحسب الصحيفة، فإن حجم العنف الذي يتعرض له الفلسطينيون في الضفة خلال العامين الأخيرين لم يسبق له مثيل منذ عام 1967، سواء من حيث عدد القتلى أو طبيعة العمليات العسكرية أو مستوى الإفلات التام من العقاب.

مشهد الافتتاح.. قتل بدم بارد
بدأ مراسل الصحيفة لوك برونير تقريره بمشهد قاتم من كفر عقب، الحيّ الفاصل بين القدس ورام الله، حيث قتل جنود حرس الحدود شابين فلسطينيين بدم بارد، بزعم مواجهتهم “أعمال شغب”. شهادات السكان، كما ينقلها المراسل، تؤكد غياب أي تهديد، وأن ما جرى كان عملية قتل مباشرة تُمارَس وكأنها جزء من “سياسة يومية” لا تحتاج لتبرير.
يقول أحد العاملين في مطعم بالحي: “الجنود يأتون ويغلقون الطريق، ثم يطلقون الغاز وأحيانًا الرصاص دون سبب.. إنهم يرهبوننا”. أما آخر، فيعترف بأنه يحلم باللجوء إلى إسبانيا، بينما يصرح ثالث: “يريدوننا أن نرحل”.
هذه الشهادات – كما يقول المراسل – تتكرر في رام الله وبيت لحم ونابلس وطوباس، وفي كل مدينة وقرية تقريبًا، حيث تغيّر الاحتلال جذريًا منذ وصول حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو في نهاية 2022، ثم تضاعف هذا العنف بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
قمع لم يشهد الاحتلال مثله منذ 1967
تشير الصحيفة إلى أن الأرقام وحدها تكشف حجم الانفجار:
-
1043 فلسطينيًا قُتلوا خلال عامين فقط.
-
أكثر من 10 آلاف جريح.
-
زيادة حادة في قتل النساء والأطفال وذوي الإعاقة.
ووفق 12 منظمة حقوقية إسرائيلية، فإن السبب الرئيسي لتصاعد العنف هو تخفيف قواعد إطلاق النار واعتماد تكتيكات قتالية مشابهة لتلك المستخدمة في غزة، بما في ذلك إطلاق النار الكثيف في مناطق مدنية، وبأدنى تقييم للتهديد.
غزة كنموذج للضفة.. مروحيات وتدمير مخيمات
وللمرة الأولى، يقول المراسل، أصبح الجيش الإسرائيلي يستخدم المروحيات الهجومية داخل الضفة الغربية، كما دمر مخيمات اللاجئين في جنين وطولكرم بنسبة تقارب التدمير الكامل، وأجرى تدريبات لمحاكاة “ضربات جوية داخل الضفة”، في خطوة غير مسبوقة.
هذه السياسة، وفق لوموند، تعني أن الضفة باتت تُعامل كـ”منطقة حرب مفتوحة”، وأن الأجهزة العسكرية تتوسع في استخدام القوة المفرطة دون أي رقابة أو مساءلة.
إفلات كامل من العقاب.. وعدالة غائبة
تظهر المعطيات أن التحقيقات الجنائية في عمليات القتل تكاد تكون معدومة. فلم يصدر خلال أربع سنوات إلا حكم واحد “رمزي”، بينما تُغلق معظم الملفات دون محاسبة. وحتى عندما توثق الكاميرات عمليات إعدام واضحة، كما حدث في جنين، يتدخل وزراء مثل إيتمار بن غفير للدفاع علنًا عن الجنود، بما يعطي الغطاء السياسي الكامل للجريمة.
السجون.. موت بطيء وتعذيب ممنهج
تُظهر بيانات أطباء من أجل حقوق الإنسان أن نحو 100 معتقل فلسطيني استشهدوا داخل السجون خلال عامين، بينهم 26 من الضفة الغربية. وتتحدث منظمات حقوقية عن تعذيب جسدي وجنسي، وإهمال طبي متعمد، بينما يصرح بن غفير أمام الإعلام بأنه يسعى إلى “تجويع الأسرى” وتقليص حقوقهم، في اعتراف مباشر بسياسة تهدف إلى تحطيم الأسير نفسيًا وجسديًا.
أما الاعتقال الإداري فقد بلغ مستوى غير مسبوق:
21 ألف فلسطيني اعتُقلوا دون تهمة خلال عامين، كثير منهم احتُجز في العراء أو في ملاعب رياضية لساعات طويلة، وتعرضوا للضرب والإهانات والقيود.
عقاب جماعي.. مدن مغلقة وحياة مخنوقة
يرصد المراسل توسعًا واضحًا في سياسة العقاب الجماعي، التي تشمل:
-
إغلاق مدن وقرى بأكملها لأيام.
-
تدمير البنية التحتية الأساسية.
-
احتجاز جثامين الشهداء لأشهر.
-
نصب حواجز تخنق الحياة اليومية.
ويقول أحد رؤساء البلديات للصحيفة: “نعيش في سجن كبير”.
المستوطنون.. مليشيات مسلحة تحت حماية الجيش
تكشف الصحيفة عن صعود مخيف لدور المستوطنين الذين باتوا يشكلون “ذراعًا مكمّلة” لإجرام الاحتلال. فقد ارتفعت الاعتداءات على الفلسطينيين إلى 1600 اعتداء منذ بداية العام، وهو أعلى رقم مسجّل. وتشمل الاعتداءات الضرب، وحرق البيوت، واقتلاع الأشجار، والاستيلاء على الأراضي.
بعد 7 أكتوبر، وزعت السلطات الإسرائيلية 220 ألف رخصة سلاح جديدة، ذهب جزء كبير منها للمستوطنين الذين أصبحوا، حسب المقال، “مليشيات خاصة” تعمل بمنطق الانتقام تحت حماية الجيش.
عدد البؤر الاستيطانية غير القانونية قفز بشكل غير مسبوق:
-
32 بؤرة عام 2023
-
61 بؤرة في 2024
-
68 بؤرة خلال أشهر قليلة من 2025
نحو إلغاء الوجود الوطني الفلسطيني
ترى الصحيفة أن الضفة الغربية أصبحت مجزأة جغرافيًا ومخنوقة اقتصاديًا ومهددة في هويتها الوطنية. ويقول نشطاء فلسطينيون إن الاحتلال لم يعد يهدف فقط إلى قمع المقاومة، بل إلى إلغاء الوجود الوطني الفلسطيني ذاته.
ومع فقدان السلطة الفلسطينية لما تبقى من شرعيتها بسبب التنسيق الأمني، تتزايد مشاعر الغضب والخوف بين الناس. يقول أحد تجار كفر عقب: “نعيش تحت احتلالين: إسرائيل والسلطة الفلسطينية”.
خاتمة: إجرام دولة بلا محاسبة
يرسم تقرير لوموند صورة لوضع لا يشبه سوى أنظمة الإرهاب المنظمة، حيث يصبح العنف ركيزة الحكم، وتتحول الضفة الغربية إلى منطقة تُدار بالقوة وحدها، بلا قانون ولا رقابة. الاحتلال، كما تقول الصحيفة، يمارس إجرامًا ممنهجًا، يقتل ويعتقل ويعذّب ويمزّق الحياة اليومية للفلسطينيين، في الوقت الذي يغيب فيه أي رادع دولي أو محاسبة حقيقية.
بهذا المشهد، تبدو الضفة الغربية على حافة انفجار جديد، في ظل نظام احتلال يدفع الأمور نحو الهاوية، دون اكتراث بثمن الدم الفلسطيني ولا بتداعيات استمراره.
اقرأ أيضًا : تحقيق إسرائيلي يفضح إجرام الاحتلال: إعدام ميداني لأخوين فلسطينيين في نابلس ومنع إسعافهما حتى الموت