كشفت بيانات ملاحية دقيقة حللتها وحدة التحقيقات الرقمية بالجزيرة (سند) تفاصيل لافتة حول هوية ونوعية السفينتين اللتين استهدفتا فجر اليوم في ميناء المكلا بمحافظة حضرموت شرقي اليمن، في ضربة أعلن عنها تحالف دعم الشرعية باعتبارها عملية “محدودة” ضد شحنات أسلحة وعربات قتالية وصلت لدعم ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، في تطور يسلّط الضوء مجددًا على الدور الإماراتي المثير للجدل في تعميق الصراع وتمزيق اليمن من الداخل.

من الفجيرة إلى المكلا.. خط ملاحي واحد وسياق واحد

ووفق البيانات الملاحية المستخرجة من موقع “مارين ترافيك” المتخصص في تتبع حركة السفن، فإن السفينتين المستهدفتين انطلقتا من ميناء الفجيرة الإماراتي خلال الأيام القليلة الماضية، قبل أن ترسوا في ميناء المكلا، في توقيت متزامن مع تصعيد عسكري وأمني تقوده ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت، في تحدٍّ مباشر للسلطة الشرعية وقرارات مجلس القيادة الرئاسي.

السفينة الأولى تحمل اسم “غرينلاند” ورقم تسجيل 8222111، وهي سفينة مخصصة لشحنات من نوع (Ro-Ro Cargo)، أي الشحن الدحرجي المستخدم عادة لنقل المركبات، والآليات العسكرية، والمعدات الثقيلة. أبحرت السفينة في 23 ديسمبر/كانون الأول من ميناء الفجيرة، ووصلت إلى المكلا في 28 من الشهر ذاته، بعد أن أخفت بياناتها المتعلقة بميناء المغادرة، في سلوك يُعد مؤشرًا تقنيًا على محاولة التمويه وإخفاء خط السير الحقيقي.

ملكية إماراتية وإخفاء متعمد للبيانات

تحليل سجل تحركات السفينة “غرينلاند” خلال الفترة الممتدة من يناير/كانون الثاني 2025 وحتى ديسمبر/كانون الأول الجاري، أظهر عدم قيامها بأي زيارات سابقة إلى الموانئ اليمنية، ما يعزز فرضية أن الرحلة الحالية ليست تجارية اعتيادية، بل مرتبطة بسياق أمني استثنائي. كما كشف فحص سجل التسجيل أن المالك المستفيد من السفينة شركة مقرها دولة الإمارات، وهو ما يربط الشحنة مباشرة بدور أبوظبي في دعم أطراف مسلحة خارج إطار الدولة اليمنية.

أما السفينة الثانية، فيُرجّح –وفق التحليل الملاحي– أنها تحمل اسم “سوكوترا” ورقم تسجيل 9546643، وهي سفينة شحن مزدوج (Ro-Ro/Container Carrier)، متخصصة في نقل الحاويات. هذه السفينة بدورها أخفت بيانات حمولتها، وأبحرت من ميناء الفجيرة في 20 ديسمبر/كانون الأول، قبل أن تصل إلى ميناء المكلا في 26 من الشهر نفسه.

رحلات متكررة.. دعم ممنهج لا حادثة عابرة

اللافت في حالة السفينة “سوكوترا” أن سجلاتها الملاحية كشفت عن أربع رحلات سابقة من موانئ إماراتية إلى ميناء المكلا خلال أشهر سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول من العام الجاري، ما ينفي بشكل قاطع أي ادعاء بأن الأمر يتعلق برحلة عرضية أو نشاط تجاري عادي.

الأكثر خطورة أن فحص سجل التسجيل أظهر أن الشركة المالكة المستفيدة من السفينة الثانية هي ذاتها المالكة للسفينة الأولى، ما يكشف عن نمط منظم وممنهج لنقل شحنات عبر خط ملاحي إماراتي–يمني واحد، في ظل سيطرة ميليشيا المجلس الانتقالي على أجزاء واسعة من حضرموت، ووسط اتهامات متصاعدة للإمارات بتغذية النزعة الانفصالية وتسليح الميليشيات خارج مؤسسات الدولة.

ضربة التحالف ورسائلها السياسية

وكان تحالف دعم الشرعية قد أعلن تنفيذ ضربة جوية “محدودة” استهدفت أسلحة وعربات قتالية في ميناء المكلا، وصلت على متن السفينتين القادمتين من الإمارات، مؤكدًا أن العملية جاءت بعد رصد دقيق للشحنات، وفي سياق حماية المدنيين ومنع انزلاق حضرموت إلى مربع الفوضى.

وتحمل هذه الضربة رسائل سياسية تتجاوز بعدها العسكري، إذ تعكس تحوّلًا في موقف التحالف من التغاضي إلى المواجهة المباشرة مع محاولات فرض الأمر الواقع التي تقودها ميليشيا الانتقالي بدعم إماراتي، في لحظة حساسة تشهد فيها الشرعية اليمنية صراعًا داخليًا يهدد بتقويض ما تبقى من وحدة الصف في مواجهة جماعة الحوثي.

الإمارات وتمزيق اليمن من الداخل

تكشف هذه البيانات الملاحية، مقرونة بالسياق السياسي والعسكري، أن الدور الإماراتي لم يعد مقتصرًا على النفوذ السياسي أو الاقتصادي، بل بات يتخذ طابعًا عسكريًا مباشرًا عبر دعم ميليشيات انفصالية بالسلاح والآليات، في مسار يكرّس الانقسام ويقوّض أي أفق لبناء دولة يمنية موحدة.

كما أن تكرار الرحلات، وإخفاء البيانات الملاحية، ووحدة الملكية للشركتين المالكتين للسفينتين، كلها مؤشرات على شبكة دعم منظمة تعمل خارج الأطر القانونية، وتصب في مصلحة مشروع تفتيت اليمن وتحويل موانئه إلى منصات صراع إقليمي.

ما بعد المكلا.. أسئلة مفتوحة

تفتح واقعة ميناء المكلا الباب أمام أسئلة أكبر حول حجم ونطاق الشحنات التي وصلت خلال الأشهر الماضية، ومدى اختراق الموانئ اليمنية من قبل شبكات تهريب السلاح، ودور الإمارات في إدارة هذا المسار. كما تضع ميليشيا المجلس الانتقالي أمام مسؤولية مباشرة عن عسكرة الموانئ المدنية، وتعريض السكان والبنية التحتية لمخاطر جسيمة.

وفي المحصلة، لا تبدو ضربة المكلا مجرد حادث عسكري عابر، بل حلقة كاشفة في صراع أعمق على مستقبل اليمن، بين مشروع دولة يسعى للبقاء، ومشاريع تفكيك إقليمية تستخدم الميليشيات والسفن والبحار لفرض واقع جديد بالقوة.

اقرأ أيضا : الكنيست يشرعن الحصار: قطع المياه والكهرباء عن الأونروا كأداة حرب جماعية