في تطور بالغ الدلالة على التحول المتصاعد في الرأي العام العالمي تجاه جرائم الحرب في غزة، أحالت السلطات القضائية في بيرو رسمياً دعوى تتعلق بجرائم إبادة جماعية إلى المدعي العام لحقوق الإنسان، متهمة جندياً إسرائيلياً بالمشاركة في تدمير أحياء مدنية وبنية تحتية في قطاع غزة. 

هذه الخطوة لم تكن مجرد إجراء إداري، بل تمثل سابقة قانونية وسياسية، إذ باتت بيرو أول دولة في أمريكا اللاتينية تُخضع جرائم الاحتلال الإسرائيلي للمحاسبة على أساس نظام روما الأساسي.

عدالة تطرق أبواب إسرائيل

التحقيق، الذي تقدمت به مؤسسة هند رجب لحقوق الإنسان، لا يعكس فقط حالة من التعاطف مع المأساة الفلسطينية، بل يستند إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يجيز ملاحقة مرتكبي جرائم الإبادة وجرائم الحرب حتى وإن لم تقع على أراضي الدولة التي تباشر التحقيق. 

وتُظهر هذه الخطوة أن العالم لم يعد يصغي إلى الرواية الإسرائيلية الرسمية دون مساءلة، بل باتت الحقائق القادمة من غزة — عبر مقاطع الفيديو، والشهادات، والصور، والوثائق الاستخباراتية — تتغلب على آلة الدعاية الإسرائيلية التي لطالما صورت العدوان على أنه “دفاع عن النفس”.

النيابة العامة في بيرو تجاوزت مرحلة النقاش حول الصلاحية القضائية، وبدأت دراسة الأدلة المقدمة، ما يشير إلى جدية التحقيق، واحتمال صدور مذكرات توقيف في مرحلة لاحقة. وهو ما عبّر عنه رئيس مؤسسة هند رجب، دياب أبو جحجاح، بقوله إن العدالة “في طريقها إلى التنفيذ”، مؤكداً أن هذه ليست خطوة رمزية بل نقطة انطلاق نحو إنهاء الإفلات من العقاب.

تفكيك أسطورة “الجيش الأخلاقي”

الشخص المعني بالتحقيق هو جندي خدم ضمن سلاح الهندسة القتالية في الجيش الإسرائيلي، وهي وحدة معروفة بدورها الأساسي في “هندسة الأرض” في قطاع غزة، عبر تدمير البنى التحتية، وردم الأنفاق، وتسوية المباني بالأرض.

وقد اتُّهم الجندي بالمشاركة المباشرة في عمليات قصف وتجريف أحياء سكنية خلال العدوان بين عامي 2023 و2024، وهي الفترة التي شهدت أوسع موجة تدمير في تاريخ القطاع منذ عام 2008.

تشير هذه التحقيقات إلى انهيار السردية الإسرائيلية أمام المحافل الدولية، فلطالما اعتبر الاحتلال نفسه خارج نطاق المساءلة، تحت غطاء دعم غربي غير مشروط. لكن مع التوثيق المتزايد للجرائم، وظهور شهادات من ميدان المعركة، باتت إسرائيل عاجزة عن تبرير سلوكياتها أمام القانون الدولي.

ما يحدث في بيرو هو رسالة رمزية وعملية مفادها أن “الجيش الأخلاقي” لم يعد يتمتع بحصانة في أي مكان من العالم.

هند رجب.. رمز الطفولة المغدورة

اختارت المؤسسة الحقوقية اسم “هند رجب” للتعبير عن ضمير إنساني عالمي جديد يتبلور عقب الجرائم الإسرائيلية في غزة. 

الطفلة هند، ذات الستة أعوام، أصبحت رمزاً لفشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين، بعد أن تُركت محاصرة لساعات داخل مركبة استهدفها جيش الاحتلال في حي تل الهوى، قبل أن تُستشهد دون أن يُسمح لأي جهة بإنقاذها. 

بهذه المأساة الرمزية، أرادت المؤسسة أن تضع وجهًا إنسانيًا لمعنى العدالة، بعيداً عن التجريد القانوني البارد.

وقد توسع نشاط المؤسسة سريعاً منذ تأسيسها مطلع 2024، حيث أعلنت أنها قدمت طلبات اعتقال لنحو ألف جندي إسرائيلي مزدوجي الجنسية في ثماني دول مختلفة. ووفقاً للمؤسسة، فإن القائمة الكاملة للأسماء ستبقى سرية في المرحلة الحالية، منعاً لفرار المشتبه بهم أو تلافيهم السفر إلى دول يمكن أن تعتقلهم.

نهاية زمن الحصانة؟

اللافت أن هذا التحقيق لم يأتِ من دولة أوروبية كبلجيكا أو إسبانيا، بل من بلد في أمريكا اللاتينية، ما يدل على تحول المزاج العالمي، وتفكك الهيمنة الغربية التقليدية على مفاهيم العدالة الدولية. 

وتُعد هذه القضية اختباراً جدياً لمدى التزام الدول الموقعة على نظام روما الأساسي تجاه الجرائم الدولية، لا سيما تلك التي ترتكب بحق شعب محاصر، يعاني من سياسة الأرض المحروقة والتجويع والاقتلاع.

ومن هنا، دعت مؤسسة هند رجب جميع الدول — خصوصاً الأطراف الموقعة على اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي — إلى التحرك الجاد لمساءلة المتورطين في العدوان على غزة، من جنود وضباط ومسؤولين سياسيين، حال دخولهم أراضي تلك الدول.

في المحصلة، فإن ما بدأ في بيرو ليس قضية محلية، بل بداية مسار دولي جديد، يُعيد تعريف العدالة، ويؤكد أن العالم لم يعد كما كان قبل غزة. الجريمة باتت موثقة، والرواية الإسرائيلية تتهاوى، والمجرمون باتوا تحت المجهر، حتى في أبعد بقاع الأرض.

اقرأ أيضًا : السيسي يحمي الاحتلال: مصر تحتجز وتطرد داعمي قافلة الصمود لغزة