تتجه مصر، عبر بنك الاستثمار القومي، لإبرام صفقة استثمارية مليارية جديدة مع الإمارات في منطقة الجفيرة بالساحل الشمالي، على مساحة تُقدَّر بنحو 642 فدانًا، في خطوة تعيد إلى الواجهة الجدل الواسع حول سياسات التفريط في الأراضي والأصول السيادية، وعلى رأسها صفقة رأس الحكمة التي وُصفت بأنها الأكبر والأكثر إثارة للجدل في تاريخ البلاد الحديث.
وكشف موقع الشرق بلومبيرغ تفاصيل أولية عن الصفقة المرتقبة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول الاستثمارات الخليجية إلى آلية دائمة لبيع الجغرافيا مقابل سيولة مؤقتة تُستخدم لسد فجوات مالية متراكمة.

صفقة الجفيرة.. تكرار النموذج ذاته
بحسب المعلومات المتداولة، تأتي صفقة الجفيرة كامتداد مباشر لنموذج رأس الحكمة، حيث تُمنح مساحات شاسعة من الأراضي الساحلية لمستثمرين إماراتيين بشروط استثنائية، تشمل امتيازات إدارية وتخطيطية واسعة، مقابل تدفقات نقدية فورية تحتاجها الدولة بشدة. ويُتوقع أن تتضمن الصفقة إنشاء مشروعات سياحية وعقارية فاخرة، تستهدف شريحة ضيقة من المستثمرين والأثرياء، دون وجود مؤشرات واضحة على انعكاس هذه المشروعات على الاقتصاد الحقيقي أو تحسين مستوى معيشة المواطنين.
هذا النمط من الصفقات يطرح سؤالًا جوهريًا: هل ما يجري استثمارٌ تنموي أم بيع مُقنَّع للأراضي؟ فالتجربة السابقة في رأس الحكمة أظهرت أن العوائد النقدية، رغم ضخامتها الاسمية، ذهبت في معظمها لتخفيف ضغوط الديون وخدمة الالتزامات العاجلة، دون معالجة جذور الأزمة الاقتصادية، وعلى رأسها تراجع الإنتاج، وانكماش الصناعة، وتآكل الطبقة الوسطى.
بنك الاستثمار القومي.. أداة التمويل أم واجهة التفريط؟
إسناد الصفقة إلى بنك الاستثمار القومي يفتح بابًا آخر للانتقادات، إذ يُفترض أن يلعب البنك دورًا تنمويًا في تمويل المشروعات الإنتاجية والبنية التحتية، لا أن يتحول إلى وسيط لتمرير صفقات بيع أراضٍ استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن الاعتماد المتكرر على البنك في هذا النوع من الترتيبات يعكس توجّهًا رسميًا لتسييل الأصول العامة بدلًا من إصلاح السياسات الاقتصادية الكلية، أو إعادة هيكلة الإنفاق العام الذي يلتهمه الدين وخدمة فوائده.
الإمارات.. شريك استثماري أم مستفيد دائم؟
لا تنفصل صفقة الجفيرة عن السياق الأوسع للعلاقة الاقتصادية بين القاهرة وأبوظبي، حيث باتت الإمارات لاعبًا رئيسيًا في الاستحواذ على أصول ومواقع استراتيجية داخل مصر، من الموانئ إلى الأراضي الساحلية. ويثير هذا التوسع تساؤلات حول اختلال ميزان المصالح، خاصة في ظل غياب الشفافية الكاملة بشأن شروط التعاقد، ونِسَب تقاسم العوائد، وحدود السيادة الإدارية على المناطق المُباعة أو المُستثمرة.
ويرى منتقدون أن هذه الصفقات تُدار بمنطق “الإنقاذ المالي السريع”، لا بمنطق الشراكة طويلة الأمد، ما يحوّل الدولة إلى بائع دائم لأصولها، ويجعل القرار الاقتصادي مرتهنًا لتدفقات خارجية مشروطة.
السيسي وبيع الدولة.. سياسة أم ضرورة؟
منذ توليه السلطة، دافع عبد الفتاح السيسي مرارًا عن بيع أو تأجير الأصول باعتباره “حلًا اضطراريًا” في ظل ظروف اقتصادية استثنائية. لكن تراكم الصفقات واتساع نطاقها الجغرافي، من قلب العاصمة إلى السواحل، يُضعف هذا التبرير، ويعزز الانطباع بأن ما يجري هو خيار سياسي مُمنهج، لا إجراء مؤقت. فبدلًا من تحفيز الاستثمار المحلي، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإصلاح مناخ الأعمال، يجري الرهان على بيع الأرض بوصفها المورد الأسهل والأسرع.
تداعيات بعيدة المدى
الخطر الأكبر في صفقة الجفيرة لا يكمن فقط في فقدان مساحة جديدة من الساحل، بل في ترسيخ سابقة تُشجّع على مزيد من الصفقات المشابهة. ومع كل صفقة، تتقلص قدرة الدولة على التخطيط المستقل، وتتآكل ملكية الأجيال القادمة لأراضيها ومواردها الطبيعية. كما يُخشى أن تُفاقم هذه السياسات الفجوة الاجتماعية، عبر مشروعات نخبوية معزولة عن محيطها، لا تُنتج قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.
خلاصة
تعكس صفقة الجفيرة، على غرار رأس الحكمة، مسارًا اقتصاديًا يقوم على بيع الأرض لسد العجز، بدلًا من بناء اقتصاد منتج ومستدام. وبينما قد تُوفّر الصفقة مليارات عاجلة، فإن كلفتها السياسية والاجتماعية والاستراتيجية قد تكون أعلى بكثير على المدى الطويل. والسؤال الذي يظل مطروحًا بإلحاح: إلى متى يستمر بيع البلاد قطعةً قطعة؟ وهل تبقى في النهاية دولة تملك قرارها، أم مجرد وسيط يوقّع عقود التفريط باسم “الاستثمار”؟
اقرأ أيضًا : فشل المخطط الإماراتي لتفكيك اليمن… قائد عسكري في التحالف يصل عدن بعد استعادة الدولة