في مشهد يختصر معاناة غزة تحت القصف والحصار، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي مجزرة جديدة فجر الاثنين استهدفت مناطق سكنية مكتظة شمال غرب القطاع، ما أسفر عن سقوط عشرات الشهداء والجرحى، بينهم أطفال ونساء.

وفي ظل استمرار الجرائم بحق المدنيين، يخيّم الصمت العربي والدولي على هذه المجازر، ما يُرسّخ شعور الفلسطينيين بأن دماءهم مباحة.

قصف دموي يستهدف المدنيين: الكرامة والسلاطين تحت النار

شنّت طائرات الاحتلال الإسرائيلي غارات عنيفة على أحياء الكرامة والسلاطين شمال غرب مدينة غزة، مستهدفة منازل مدنيين ومبانٍ سكنية دون سابق إنذار، ما أدى إلى سقوط ما لا يقل عن 20 شهيداً، إضافة إلى عشرات الجرحى.

وأكد الدفاع المدني الفلسطيني أن طواقمه انتشلت 15 شهيداً و10 مصابين من تحت أنقاض ثلاث شقق سكنية في برج “الرموز” بحي الكرامة، في واحدة من أبشع الهجمات التي طالت مناطق مأهولة بالسكان. 

وفي حي السلاطين القريب، انتشلت الفرق 4 شهداء و5 إصابات من منزل عائلة العطار الذي دمّرته الطائرات الحربية بالكامل.

الصور ومقاطع الفيديو المتداولة أظهرت مشاهد مروّعة: أطفال تحت الركام، أمهات يحتضنّ جثث أبنائهن، ومسعفون عاجزون عن إنقاذ العالقين بسبب شدة القصف وانهيار الأبنية.

ورغم مرور ساعات على القصف، ما زالت فرق الإنقاذ تحاول انتشال المزيد من الضحايا، إذ تُشير المعطيات إلى وجود مفقودين تحت أنقاض المباني المستهدفة، وهو ما يرفع من احتمالات ارتفاع عدد الشهداء.

سياسة تنكيل ممنهجة: استهداف متكرر للمدنيين والأحياء السكنية

تأتي هذه المجزرة ضمن سلسلة من الهجمات الممنهجة التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ بدء عدوانها المستمر على قطاع غزة، والتي تركّزت بشكل خاص على الأحياء السكنية المكتظة، والمرافق المدنية كالمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء.

ويؤكد مراقبون أن استهداف برج “الرموز” ومنزل عائلة العطار لا يندرج ضمن أي عمليات عسكرية ميدانية، بل يُعد جزءاً من سياسة “التنكيل الجماعي” التي ينتهجها الاحتلال لإيقاع أكبر قدر ممكن من الضحايا، وخلق حالة من الرعب واليأس بين السكان المدنيين.

كما أن استخدام القصف الجوي الكثيف على مناطق مكتظة بالسكان، دون تقديم أي تحذير مسبق، يُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تحظر استهداف المدنيين والمنشآت المدنية في زمن الحرب.

ومنذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة، تجاوز عدد الشهداء 35 ألفاً، غالبيتهم من النساء والأطفال، ما يشير إلى نية واضحة لدى الاحتلال لارتكاب جرائم تطهير عرقي، ضمن حملة إبادة جماعية متواصلة على مرأى ومسمع من العالم.

صمت عربي ودولي: تواطؤ أم عجز؟

ورغم هول المجزرة، لم يصدر حتى لحظة كتابة التقرير أي رد فعل رسمي من الحكومات العربية، التي تكتفي غالباً بإصدار بيانات “قلق” و”دعوات للتهدئة”، دون أن تُترجم هذه الأقوال إلى مواقف سياسية أو دبلوماسية حاسمة.

ويرى محللون أن الصمت العربي في وجه الجرائم الإسرائيلية المتكررة، يعكس حالة من التواطؤ أو على الأقل العجز المزمن، خصوصاً من بعض الدول التي تقيم علاقات تطبيعية مع الاحتلال، وتواصل فتح أجوائها وموانئها أمام الدعم العسكري والاستخباراتي الموجّه لإبادة الفلسطينيين.

أما على الصعيد الدولي، فالوضع ليس أفضل حالاً؛ حيث تواصل الولايات المتحدة دعمها غير المشروط لإسرائيل، وتمنع صدور أي قرار من مجلس الأمن يدين هذه الجرائم أو يطالب بوقف فوري للعدوان.

وتثير هذه المواقف تساؤلات عميقة حول جدوى المؤسسات الدولية والأنظمة القانونية التي يُفترض أن تحمي المدنيين، وتمنع تكرار مثل هذه المجازر التي لا تختلف كثيراً عن ما شهده العالم في رواندا والبوسنة.

غزة تنزف… والعرب يتفرجون

مرة أخرى، تسقط غزة ضحية لآلة القتل الإسرائيلية، ومرة أخرى، يمر مشهد الجثث المتناثرة والركام المتصاعد دون أن يُحرّك ضمير العالم ساكناً. 

أمام مشهد دموي جديد، يتأكد أن الكارثة في غزة ليست فقط نتيجة لعدوان الاحتلال، بل أيضاً نتيجة لصمت الأنظمة وتخاذل المجتمع الدولي.

فهل يكفي أن نشجب ونندد، بينما تنزف غزة؟ أم آن الأوان لإعادة النظر في مواقف الدول العربية التي تحوّلت من داعمة للمقاومة إلى متواطئة بالصمت والتقاعس؟

وفي ظل هذا المشهد المظلم، يبقى الأمل معقوداً على صمود الشعب الفلسطيني، الذي أثبت –رغم كل المآسي– أنه لا يزال عصيّاً على الانكسار، مهما طال الليل أو اشتد العدوان.

اقرأ أيضًا : مؤسسة هند رجب تلاحق القاتل: شكوى في “الجنائية الدولية” ضد قائد المذبحة