في خطوة قانونية تعدّ الأولى من نوعها منذ بدء حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على غزة، أعلنت مؤسسة “هند رجب” الحقوقية، تقديم شكوى رسمية إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ضد القائد العسكري الإسرائيلي المسؤول عن مقتل الطفلة الفلسطينية هند رجب وعائلتها، في جريمة هزّت العالم لمشهدها الوحشي وبراءة ضحاياها.

طفلة غزة.. جريمة مكتملة الأركان

كان من المفترض أن تُطفئ الطفلة الفلسطينية “هند رجب” شمعتها السابعة في هذا اليوم، إلا أن الذكرى أتت دامية، وهي غائبة في تراب غزة، بعدما مزّقت قذائف جيش الاحتلال جسدها الصغير، وقتلت معها ستة من أفراد أسرتها والمسعفين الذين حاولوا إنقاذها.

في 29 يناير 2024، لجأت العائلة إلى سيارة مدنية في حي تل الهوى جنوب غرب غزة، بعد مناشدات متكررة لإنقاذهم من القصف. وكانت هند الناجية الوحيدة لبعض الوقت، وظلت تستغيث عبر الهاتف مع طواقم الهلال الأحمر لساعات، إلى أن جاء الرد الإسرائيلي الأخير بصاروخ مباشر أباد السيارة ومن فيها.

الهلال الأحمر الفلسطيني أرسل حينها سيارة إسعاف، على أمل إخراج الطفلة من تحت ركام الرعب، لكن الدبابة الإسرائيلية، وتحديدًا التابعة للواء 401 المدرع، استهدفت سيارة الإسعاف الثانية بعد تدمير الأولى، لترتكب بذلك القوات الإسرائيلية جريمة مكتملة الأركان بشهادات صوتية وبصرية، وثقتها المؤسسات الطبية والحقوقية في حينها.

هوية القاتل: ليسوا مجهولين بعد اليوم

في بيانها الرسمي، أكدت مؤسسة “هند رجب” أنها وبعد عام من التحقيقات الميدانية والوثائقية، توصّلت إلى هوية الضابط المسؤول عن العملية العسكرية التي أودت بحياة هند ومن معها، وهو المقدم “بني أهارون”، قائد اللواء 401 المدرع، التابع لقوات الاحتلال.

وقالت المؤسسة إنها حدّدت ليس فقط القائد، بل جميع أفراد الكتيبة التي شاركت في الهجوم، بما في ذلك القادة الميدانيون وضباط العمليات الذين كانوا يعملون في تلك الليلة الدامية داخل حي تل الهوى.

كما أوضحت أن هذه العناصر لم تعد مجهولة، وأن المؤسسة ستلاحقهم جميعًا أمام المحاكم الدولية والمحاكم الوطنية المختصة، بناءً على مبدأ الولاية القضائية العالمية الذي يتيح محاكمة مرتكبي جرائم الحرب بغض النظر عن جنسيتهم أو مكان ارتكاب الجريمة.

وطالبت المؤسسة مكتب الادعاء العام في المحكمة الجنائية الدولية بإصدار مذكرة توقيف دولية بحق المقدم بني أهارون، مشددة أن القضية مدعومة بالأدلة والشهادات والوثائق، وليست مجرّد فعل رمزي أو انتقامي، بل معركة قانونية من أجل العدالة والكرامة والإنسانية التي حُرمت منها هند.

العدالة بوجه الإبادة: هل تنجح؟

تأسست مؤسسة “هند رجب” بعد الجريمة بشهر واحد فقط، واتخذت من بروكسل مقرًا لها، ومنذ ذلك الحين وهي تسعى لتوثيق الجرائم الإسرائيلية في غزة وملاحقة المسؤولين عنها قانونيًا في مختلف المحاكم حول العالم. ويُعد هذا التحرك القضائي ضد ضابط إسرائيلي بارز هو أول اختبار فعلي لإرادة المجتمع الدولي في كبح جماح الاحتلال الإسرائيلي، الذي ينفذ منذ السابع من أكتوبر 2023، حملة عسكرية صنفها خبراء ومؤسسات دولية بأنها جريمة إبادة جماعية.

وخلفت هذه الحرب المستمرة أكثر من 170 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء، إلى جانب 11 ألف مفقود تحت الأنقاض، ودمار شبه كلي للبنية التحتية المدنية، من مستشفيات ومدارس ومخابز وأحياء سكنية.

كما ارتكبت قوات الاحتلال سلسلة من المجازر المروعة التي لم تنجُ منها حتى سيارات الإسعاف ومراكز الإيواء.

المشهد المروع لمقتل الطفلة هند يُعدّ رمزًا للوحشية الإسرائيلية التي تمارس بدم بارد، وبغطاء دولي وصمت أممي. 

الطفلة التي ظلت تتحدث لساعات مع طواقم الإسعاف عبر الهاتف، قبل أن تُقتل عمدًا، لم تكن تشكل تهديدًا على أمن إسرائيل، ولم تكن داخل موقع عسكري. كانت مجرد طفلة تبحث عن الحياة وسط أنقاض الحرب.

ورغم محاولات حكومة الاحتلال نفي مسؤوليتها، فإن التسجيلات الصوتية، وبيانات الهلال الأحمر، والتقارير الحقوقية الدولية، أثبتت أن هند لم تُقتل بطريق الخطأ، بل بعد استهداف متعمد ومتتابع، يعكس عقيدة عسكرية لا تتورع عن إبادة المدنيين.

طريق طويل نحو العدالة.. لكن لا تراجع

الشكوى التي قدمتها مؤسسة هند رجب ليست سوى بداية، وفق ما أكده بيانها، إذ يجري إعداد شكاوى فردية وجماعية أخرى ضد باقي الضباط المنفذين للهجوم، لتُرفع أمام محاكم أوروبية، خاصة في الدول التي تسمح قوانينها بمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية خارج حدودها، مثل بلجيكا، وألمانيا، وإسبانيا.

وبينما تبقى العدالة الدولية بطيئة ومثقلة بقيود السياسة، فإن هذه الخطوة الحقوقية تعيد تسليط الضوء على المأساة الكبرى التي تعيشها غزة، وتؤكد أن القتلة يمكن أن يفروا لبعض الوقت، لكنهم لن يفلتوا إلى الأبد. فالذاكرة لا تموت، وصوت هند لا يزال يصرخ في العالم.

هل تتحرك المحكمة الجنائية الدولية؟ وهل تسقط الحصانة عن القتلة؟ أم أن عدالة الأرض ستظل كما هي… عمياء عندما يتعلق الأمر بفلسطين؟

اقرأ أيضًا : جنود الاحتلال فرّوا من شاطئ زيكيم.. والمقاومة سطّرت ملحمة بطولية