في وقت تتكالب فيه الضغوط الدولية والإقليمية لوقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، جاءت كلمة خليل الحية، رئيس حركة حماس في قطاع غزة، بمناسبة عيد الفطر لتُشكّل محطة مفصلية في قراءة المشهد السياسي والميداني.
فقد قدّم الحية رؤية شاملة لمواقف الحركة من المقترحات الدولية، كاشفًا عن موافقة حماس على مقترح جديد تقدم به الوسطاء، وموضحًا في الوقت ذاته خطوطًا حمراء لا تقبل النقاش، أبرزها سلاح المقاومة وحق العودة، ما يعكس تمسكًا بالمبادئ رغم البراغماتية السياسية.
قبول مسؤول للمبادرة مقابل مراوغة الاحتلال
كشف الحية في كلمته أن حماس وافقت على مقترح جديد قدمه الوسطاء قبل يومين، وهو ما يعكس نضجًا سياسيًا في التعامل مع الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية، حيث لم تُغلق الحركة باب التفاوض، بل تعاملت بإيجابية مشروطة، آملة ألا يُفشل الاحتلال هذه الجهود كما حدث في مرات سابقة.
هذا التحرك يبرز حرص حماس على إنهاء العدوان بطريقة تحفظ دماء الشعب الفلسطيني وتحافظ على مكتسبات المقاومة، لكنه أيضًا يضع الاحتلال أمام اختبار حقيقي، فهل سيُظهر نية حقيقية نحو التهدئة، أم يواصل مراوغاته المعهودة من خلال التسويف والمماطلة وتوظيف الوقت لصالحه ميدانيًا؟
إيجابية حماس في التعاطي مع المبادرة الأخيرة تقابلها مراوغة إسرائيلية واضحة، إذ لم يصدر حتى الآن موقف رسمي يرحب بالمبادرة أو يدفع بها إلى الأمام.
وغالبًا ما يستخدم الاحتلال هذه المبادرات كأدوات دعائية، مستغلًا رغبة الوسطاء في التهدئة لتحسين صورته دوليًا دون أن يقدّم أي التزامات حقيقية أو يتوقف عن جرائمه.
ولهذا، تأتي رسالة الحية لتحذر من هذا الفخ ولتؤكد أن المقاومة ليست ساذجة، بل تدرك الألاعيب الإسرائيلية وتسعى لقطع الطريق أمام أي محاولات لإفشال المبادرة.

ثوابت المقاومة: لا للتنازل ولا للتهجير ولا لنزع السلاح
أهم ما تضمنته كلمة الحية هو التأكيد الواضح على ثوابت المقاومة، لا سيما أن البعض حاول خلال الشهور الماضية الترويج لفكرة أن حماس قد تُقدّم تنازلات سياسية أو ميدانية.
فجاء الرد قاطعًا: سلاح المقاومة خط أحمر، لا يُمكن المساومة عليه لأنه مرتبط أساسًا بوجود الاحتلال. كما رفض الحية فكرة التهجير أو الترحيل، مؤكدًا أن الحركة لن تفرّط بشعبها أو تُسلمه لمصير مجهول تديره إسرائيل أو حلفاؤها.
وركّز الحية في كلمته على الرؤية السياسية التي انطلقت منها حماس منذ بداية الحرب، مستحضرًا وصية القائد الراحل إسماعيل هنية، والتي تقوم على ثلاثة محاور: وقف العدوان، توحيد الصف الفلسطيني، والعمل على تحقيق مشروع الدولة الفلسطينية ذات السيادة.
هذه الرؤية ليست مجرد شعارات، بل تحولت إلى خطوات عملية، مثل الذهاب إلى روسيا والصين والتوصل إلى توافق فصائلي على تشكيل حكومة وحدة وطنية من شخصيات مستقلة، وهي خطوة غير مسبوقة في مسار المصالحة الفلسطينية.
ولم تكتف الحركة بذلك، بل تجاوبت مع المبادرة المصرية لتشكيل لجنة إسناد مجتمعي تدير قطاع غزة مؤقتًا إلى حين الوصول لحل سياسي شامل، في خطوة تهدف لقطع الطريق أمام الدعاية الإسرائيلية التي تحاول تصوير المقاومة كعائق أمام إدارة القطاع أو إعادة إعماره.
المعركة مستمرة ولن نخون دماء الشهداء
كلمة الحية لم تكن موجهة فقط للوسطاء أو الاحتلال، بل حملت رسائل قوية للداخل الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية.
فهو دعا إلى التوحد، وذكّر بأن الحرب الحالية ليست حرب غزة فقط، بل هي معركة وجود تخص كل الفلسطينيين في الضفة والقدس والـ48 والشتات.
كما أشار إلى أن ما يجري في غزة هو حرب إبادة همجية في ظل صمت عالمي مخزٍ، وهو ما يتطلب تحركًا عربيًا وإسلاميًا جادًا لكبح جماح الاحتلال ووقف جرائمه.
في الوقت ذاته، أراد الحية أن يُطمئن الجمهور الفلسطيني بأن الحركة لن تتخلى عن مسؤولياتها، ولن تُسلم القطاع أو تساوم على حقوقه تحت ضغط الحرب أو الحصار أو حتى العروض السياسية.
بل أكد أن الحركة مستعدة للبذل والمواجهة مهما طال الزمن، وأن شعب فلسطين، بقياداته ومقاومته، مستعد لتقديم التضحيات حتى تتحقق كل الأهداف: وقف العدوان، تحرير الأرض، عودة اللاجئين، وبناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس.
بين المبادئ السياسية والمرونة التكتيكية
كلمة الحية ترسم بوضوح ملامح المرحلة المقبلة: مقاومة تعرف جيدًا ما تريد، وتوازن بين ثوابتها الصلبة ومرونتها التكتيكية في إدارة المعركة.
هي مقاومة لا تتهرب من استحقاقات الواقع، لكنها أيضًا لا تنجر إلى تسويات وهمية. وبينما تبدي استعدادًا للتجاوب مع الوساطات، فإنها ترسم حدودًا واضحة لأي اتفاق: لا تفريط، لا استسلام، ولا سلاح يُسلم للعدو.
وفي ظل استمرار الاحتلال في مماطلته، يبدو أن الأيام القادمة ستحدد ما إذا كانت المبادرة الأخيرة قادرة على فتح أفق سياسي جديد، أم أنها ستكون محطة أخرى في مسلسل الخداع الإسرائيلي.
وفي كلتا الحالتين، تبقى المقاومة – كما أكد الحية – صامدة، ثابتة، وماضية نحو هدفها المركزي: التحرير والعودة.
اقرأ أيضًا : عملية مزدوجة تهز شمال فلسطين المحتلة: مقتل إسرائيلي وإصابة آخر في حيفا وسط تصاعد عمليات المقاومة