في تطور أمني لافت، شهدت مدينة يوكنعام جنوب شرق حيفا، صباح الإثنين، عملية مزدوجة تمثلت في دهس ثم إطلاق نار، أسفرت عن مقتل إسرائيلي وإصابة آخر بجروح خطيرة، قبل أن تعلن سلطات الاحتلال استشهاد على المنفذ. 

العملية، التي وقعت في قلب أحد المراكز الحيوية شمال فلسطين المحتلة، تحمل أبعادًا سياسية وأمنية عميقة، وتعكس تصاعد حالة الرفض الشعبي لوجود الاحتلال، وتزايد جرأة منفذي العمليات الفردية في عمق ما يُعرف بـ”المدن المختلطة” أو “المدن الإسرائيلية الكبرى”.

عملية نوعية في توقيت بالغ الحساسية

بحسب ما نقلته القناة 12 العبرية وإذاعة جيش الاحتلال، فإن منفذ العملية أقدم على دهس إسرائيليين كانا يقفان قرب محطة للحافلات في منطقة يوكنعام، ثم ترجل من سيارته وأطلق النار عليهما، ما أسفر عن إصابة اثنين، توفي أحدهما لاحقًا.

هذه الطريقة المزدوجة -الدهس ثم إطلاق النار- توحي بأن المنفذ كان على قدر كبير من الجرأة والإصرار، وقد خطط مسبقًا لإيقاع أكبر عدد من الإصابات.

التوقيت لم يكن عشوائيًا، فبينما تنشغل حكومة الاحتلال بترتيبات أمنية مشددة في محيط قطاع غزة وجنوب لبنان، تأتي هذه العملية في العمق الشمالي، لتوجه ضربة مباشرة لصورة “الأمن” التي يحاول الاحتلال تسويقها لسكانه، خصوصًا في المدن التي يُفترض أنها محصنة مثل حيفا. 

اختيار يوكنعام بالذات -وهي مدينة صناعية حديثة وهادئة نسبيًا- يحمل رسالة رمزية: لا يوجد مكان آمن في ظل استمرار الاحتلال.

تصاعد الهجمات الفردية كأداة مقاومة شعبية

العملية ليست معزولة عن سياق عام من تصاعد العمليات الفردية التي تشمل الطعن والدهس وإطلاق النار، والتي باتت تتكرر في مناطق متفرقة من الضفة الغربية والقدس والداخل المحتل.

هذه الهجمات -وغالبًا ما ينفذها شبان غير منتمين لفصائل- تعبر عن مستوى عالٍ من الغضب الشعبي والرفض القاطع لوجود الاحتلال.

عمليات الطعن والدهس، رغم بدائيتها، أصبحت تمثل تحديًا استراتيجيًا للاحتلال، لأنها تعتمد على عنصر المفاجأة وتُنفذ بأساليب يصعب التنبؤ بها، وتُظهر أن الفلسطينيين -خصوصًا من داخل الخط الأخضر- لا يزالون يعيشون حالة من الغليان الوطني، رغم كل محاولات الأسرلة والتطبيع الداخلي.

كما أن هذه العمليات تؤكد فشل الرهان الإسرائيلي على أدوات الردع الأمني والتضييق الميداني، فكل عملية جديدة تُظهر جيلًا جديدًا يرفض القبول بالأمر الواقع، ولا يحتاج إلى تنظيم أو سلاح متطور ليعبّر عن موقفه، بل يكفيه مركبة وسكين وإرادة لا تنكسر.

أبعاد أمنية وإعلامية… ورسائل لا تُقرأ بسهولة

ردود فعل الاحتلال كانت فورية، إذ أغلقت الشرطة محيط العملية، ورفعت حالة التأهب في شمال فلسطين المحتلة، وسط حالة من الذعر وثقتها عدسات المارة وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي.

هذه الصور التي تُظهر الإسرائيليين يركضون هربًا من الرصاص، تعكس هشاشة الأمن الداخلي رغم كل الأجهزة والتكنولوجيا.

اللافت أن الاحتلال، بعد دقائق من الحادث، سارع إلى إعلان “القضاء على المنفذ”، وكأن ما يهمه ليس فقط تصفية المنفذ بل إرسال رسالة إعلامية عاجلة تفيد بأن “الوضع تحت السيطرة”، وهو ما يتكرر في كل عملية مشابهة.

لكن الواقع يقول إن التكرار المستمر لهذه العمليات يشير إلى فقدان السيطرة لا العكس.

أما التصريحات الرسمية التي تحدثت عن “دوافع أمنية” خلف العملية، فهي تكرار لمحاولة توصيف هذه الهجمات كمجرد أحداث جنائية أو فردية، وتجاهل السياق السياسي والاحتلالي الكامل الذي ينتج هذا النوع من المقاومة الشعبية.

في الحقيقة، مثل هذه العمليات تمثل ردًا طبيعيًا على سياسات الإذلال والاستيطان والقتل اليومي الذي يتعرض له الفلسطينيون، خاصة في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة على غزة وتهويد الضفة الغربية والقدس.

تصعيد قادم وواقع مقاوم يتجذر

عملية حيفا تأتي لتؤكد من جديد أن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تُدفن أو تُحاصر أمنيًا أو إعلاميًا، وأن جذوة المقاومة لا تزال حاضرة في نفوس الأحرار من أبناء الشعب الفلسطيني، سواء في الضفة أو غزة أو الداخل المحتل.

كل عملية تُنفذ في عمق “إسرائيل” تمثل رسالة مزدوجة: أولًا، أن الاحتلال غير آمن، وثانيًا، أن الشعب الفلسطيني، بكل فئاته، يرفض التطبيع والرضوخ، وسيظل يقاتل حتى يزول هذا الكيان الغاصب.

في النهاية، هذه العملية ليست سوى حلقة في سلسلة ستتسع مع اتساع القمع الإسرائيلي، وستثبت الأيام أن أمن الاحتلال هشٌ مهما بلغ من القوة، وأن إرادة الشعوب لا تُهزم بالسلاح، بل تُلهبها المجازر والاعتقالات والجدران.

اقرأ أيضًا : نتنياهو يتحدى المحكمة العليا.. وتظاهرات عارمة بتل أبيب