في مشهد جديد من مشاهد التصعيد الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، ووسط صمت رسمي فلسطيني يصل حد التواطؤ، نفذ المستوطنون وجيش الاحتلال سلسلة من الانتهاكات في القدس والضفة الغربية، شملت اقتحام المسجد الأقصى وتخريب البنية التحتية المائية واعتقالات بالجملة.
هذه التطورات الميدانية تفتح الباب مجددًا للتساؤلات عن دور السلطة الفلسطينية، التي يترأسها محمود عباس، والتي بات كثير من الفلسطينيين يصفون موقفها بالمتخاذل والخائن، في ظل تصاعد القمع الإسرائيلي وانعدام أي أفق للحماية أو الرد.
![]()
الاقتحام والتهويد: الأقصى بين الاستفزاز والهيمنة
اقتحم عشرات المستوطنين صباح الخميس باحات المسجد الأقصى تحت حماية شرطة الاحتلال الإسرائيلي، في مشهد يتكرر يوميًا تقريبًا ضمن ما يُعرف بسياسة “التقسيم الزماني والمكاني”، التي تسعى حكومة الاحتلال لتكريسها ببطء وهدوء.
وأفادت مصادر محلية أن المستوطنين اقتحموا المسجد على شكل مجموعات متفرقة، ونفذوا جولات استفزازية، وأدوا طقوسًا تلمودية في محيط قبة الصخرة، تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال، التي منعت الفلسطينيين من الاقتراب أو التصوير.
هذه الاقتحامات، التي تتزامن مع حملات الاعتقال والهدم في الضفة الغربية، تأتي في إطار مخطط طويل الأمد لتهويد مدينة القدس والسيطرة على مقدساتها، بينما تكتفي السلطة الفلسطينية ببيانات الإدانة، وكأنها طرف خارجي لا يملك أدوات ضغط أو مقاومة.
تخريب ممنهج للبنية التحتية.. قطع المياه كسلاح ضد القرى الفلسطينية
في تطور خطير يعكس تحول المستوطنين إلى أداة تنفيذ مباشرة لسياسات العقاب الجماعي، أقدمت جرافة تابعة للمستوطنين على تدمير خط ناقل للمياه بين قريتي عقربا ومجدل بني فاضل جنوب نابلس، ما أدى إلى انقطاع المياه عن عدد من القرى الفلسطينية تشمل: جوريش، قصرة، قريوت، جالود، دوما، تلفيت، ومجدل بني فاضل.
هذا التخريب لا يمكن فصله عن السياق العام للانتهاكات الإسرائيلية، والتي تشمل استهداف مصادر الحياة الأساسية للفلسطينيين مثل الماء والكهرباء والمواصلات. المفارقة أن هذه الجرائم لا تُقابل بأي رد من السلطة، رغم أن الاتفاقيات الموقعة (مثل اتفاق أوسلو واتفاق المياه) تنص على مسؤوليات مشتركة، ما يعكس حالة الخضوع والانفصال التام بين سلطة رام الله والمواطن الفلسطيني على الأرض.
شهيد جديد واعتقالات بالجملة.. الضفة في قبضة الاحتلال
في بلدة رمانة غرب جنين، أعدم جيش الاحتلال المواطن أحمد العمور (55 عامًا) بعد إطلاق الرصاص عليه ودعسه بآلية عسكرية، ثم احتجز جثمانه واعتقل أبناءه.
العملية لم تكن “اشتباكًا مسلحًا” بل كانت إعدامًا ميدانيًا بدم بارد، كما وثّق شهود عيان، في استمرار لسياسة التصفية الميدانية التي تصاعدت بعد فشل الاحتلال في غزة في تحقيق أي إنجاز عسكري يذكر.
وفي السياق نفسه، نفذ جيش الاحتلال عمليات اعتقال واسعة في عدة مناطق من الضفة الغربية، أبرزها:
-
مخيم قلنديا شمال القدس: اعتقال أكثر من 20 شابًا، بعد اقتحام ليلي عنيف شهد إطلاق رصاص حي وقنابل غاز.
-
مدينة قلقيلية: اعتقال خمسة شبان بعد مداهمة منازلهم.
-
طوباس: اعتقال ثلاثة أسرى محررين، بينهم فتاة هي سجى دراغمة.
-
نابلس: اعتقال أربعة مواطنين من قرى دوما وبرقة.
-
مدينة جنين: اقتحام حي الهدف بطائرات مسيرة ومداهمات واسعة للمنازل.
اللافت أن هذه الاعتقالات تأتي في وقت تتحدث فيه السلطة الفلسطينية عن “عودة التنسيق الأمني” مع الاحتلال، وهو ما يراه مراقبون شكلاً جديدًا من أشكال التواطؤ، حيث تتحول الأجهزة الأمنية الفلسطينية إلى أداة لضبط الشارع بدلاً من حمايته.
عباس في مرمى الاتهام.. تواطؤ أم عجز؟
في ظل هذا التصعيد الإسرائيلي الشامل، يزداد الغضب الشعبي من موقف الرئيس محمود عباس، الذي لا يزال يتبنى خيار “المفاوضات” رغم توقفها منذ أكثر من عقد.
وتُتهم قيادة السلطة بالتقاعس عن حماية الفلسطينيين، بل وبالتنسيق الأمني مع الاحتلال، في خيانة واضحة لمبدأ تمثيل الشعب الفلسطيني.
فبينما تتعرض الضفة لأبشع صور القمع، تواصل السلطة سياسة قمع المعارضين السياسيين، والتضييق على المقاومة، وتكرار نفس البيانات الجوفاء، دون أي خطوات عملية لوقف التدهور الأمني والمعيشي.
خاتمة: بين الاحتلال والصمت الرسمي.. شعب أعزل يدفع الثمن
في ظل هذا الواقع، يبدو الشعب الفلسطيني وحيدًا في الميدان، يواجه آلة الاحتلال والمستوطنين، دون حماية سياسية أو غطاء رسمي. وبينما تمضي حكومة الاحتلال في تهويد القدس، وتدمير البنية التحتية، وشنّ حملات الاعتقال والإعدام الميداني، تواصل السلطة دورها الوظيفي كـ”سلطة أمنية” في نظر الكثيرين، غائبة عن مسؤولياتها الوطنية.
ويبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى يستمر هذا المشهد دون انفجار شامل في الضفة يعيد خلط الأوراق، أو دون تدخل دولي حقيقي يضع حدًا للانفلات الإسرائيلي ويحاسب قيادة السلطة على خذلانها المتواصل؟
اقرأ أيضًا : فضيحة “بوسطن كونسالتينغ” في غزة.. استشارات على حساب الدم الفلسطيني