بينما تعيش غزة تحت نير حرب إبادة لم يسبق لها مثيل، وتمضي الضفة الغربية في اتساع رقعة المقاومة الشعبية، تكثف قوات الاحتلال الإسرائيلي عدوانها على مدن وبلدات الضفة المحتلة في سلسلة اقتحامات دموية.

لكن الأخطر من ذلك أن هذه الهجمة لا تتم فقط بسلاح الاحتلال، بل بتواطؤ صريح من أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، التي تواصل حملة اعتقالات بحق المقاومين في تناغم فاضح مع الأجندة الإسرائيلية، في مشهد يعيد طرح تساؤلات حول الدور الحقيقي للسلطة ورئيسها محمود عباس، الذي يبدو أكثر حرصًا على إرضاء تل أبيب من حماية شعبه.

الضفة تُقصف.. و”الأمن الوقائي” يطارد الأبطال

في الساعات الأخيرة، شهدت الضفة الغربية واحدة من أوسع حملات الاقتحام الإسرائيلية منذ بداية الحرب على غزة. ففي نابلس وحدها، اقتحمت قوات الاحتلال بلدات بيتا، برقة، تل، سالم، ودير الحطب، حيث دارت مواجهات عنيفة مع المقاومين، تخللتها اعتداءات على المواطنين وتفتيش للمنازل وإقامة للحواجز العسكرية.

أما في مدينة طوباس وبلدتي طمون ورامين، فلم يكن المشهد مختلفًا؛ إذ واصلت قوات الاحتلال عمليات المداهمة والتنكيل، وتحديدًا في حي الجنيد بنابلس وقرية إماتين شرق قلقيلية، ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى شلّ بنية المقاومة المتصاعدة في الضفة.

ورغم أن هذه الهجمات الدموية توجب توحيد الصف الوطني والوقوف في خندق واحد أمام الاحتلال، خرجت الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية، وتحديدًا “جهاز الأمن الوقائي”، لتعتقل عدداً من المقاومين في نابلس وتصادر عشرات العبوات الناسفة المعدّة لصدّ اقتحامات الاحتلال. خطوة وصفتها الأوساط الفلسطينية بالخيانة العلنية، واعتبرتها امتدادًا لعقيدة التنسيق الأمني التي باتت حجر الزاوية في سياسات عباس الأمنية.

مستوطنون يعيثون فسادًا.. وسلطة تغض الطرف

وكأن ما تفعله قوات الاحتلال لا يكفي، انطلقت عصابات المستوطنين فجراً لتنفيذ اعتداءات ممنهجة على قريتي برقا وبيتين قرب رام الله، في استمرار لحملة منظمة من الإرهاب اليهودي الذي يحظى بحماية جيش الاحتلال. وبدلاً من حماية القرى أو تشكيل لجان مقاومة، فإن أجهزة السلطة تكتفي بالمراقبة عن بُعد أو تعتقل من يفكر بالدفاع عن بيته وسكان حيه.

إن تصعيد المستوطنين، سواء من خلال الحرق أو الهدم أو القتل، يُظهر أن الضفة الغربية ليست فقط ساحة للمواجهة بل لمخطط تطهير عرقي بطيء، يهدف إلى تفريغها من سكانها الأصليين، في ظل صمت رسمي فلسطيني يرقى إلى التواطؤ.

عباس.. رئيس بلا شرعية يطارد البنادق الحرة

لا يمكن فصل ما يجري في الضفة عن السياسات التي تتبناها قيادة السلطة، وتحديدًا رئيسها محمود عباس، الذي يواصل دوره التاريخي في ضرب المشروع الوطني من الداخل. فعباس، الذي تجاوز عمره السياسي، لم يعُد يمثل مشروع دولة أو مقاومة، بل بات يُستخدم كأداة لضبط “الإيقاع الأمني” بما لا يزعج إسرائيل أو الولايات المتحدة.

والأخطر من ذلك، أن عباس يواجه الشارع الفلسطيني الغاضب بالاعتقال والقمع، كلما حاول أبناء الضفة التعبير عن تضامنهم مع غزة أو مقاومة الاحتلال. وهو ما يجعل من سلوكه امتدادًا مباشرًا للمنظومة الصهيونية، وليس حليفًا حقيقيًا للشعب الفلسطيني كما يفترض أن يكون.

إن حملة اعتقال المقاومين ليست مجرد إجراء أمني، بل تكشف طبيعة العقيدة الأمنية للسلطة، التي ترى في المقاومة خطرًا على “الاستقرار”، لا على الاحتلال. ولعل ما يجري اليوم في الضفة الغربية هو تجسيد فجّ لانفصال القيادة الرسمية عن الشارع الفلسطيني الذي لم يعد يحتمل الصمت، ولا يطيق رؤية بنادق أبناء شعبه تُوجّه إلى صدور المجاهدين.

الضفة أمام مفترق طرق.. إما مقاومة أو خنوع

في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة، واستشهاد أكثر من 200 ألف بين قتيل وجريح، ووقوع الضفة تحت حصار مزدوج من الاحتلال والسلطة، تبدو اللحظة فارقة في مسار الصراع. فالشعب الفلسطيني اليوم بين خيارين: إما المضي في طريق المقاومة ودفع ثمن التحرر، أو القبول بواقع أمني مزيف يُفرض بقوة السلاح والاعتقال من “أبناء جلدته”.

وتبقى المعادلة واضحة: لا أمن في الضفة إلا بزوال الاحتلال، ولا سلطة تحظى بالشرعية إلا إذا كانت على نقيض من المحتل، لا في خدمته. أما استمرار محمود عباس في هذا الدور، فسيكون ثمنه النهائي هو مزيد من العزلة والسقوط في أعين الشارع الذي لم يعد يرى في السلطة حامية، بل خنجرًا في الظهر.

خاتمة: المقاومة لا تُعتقل

وفي الوقت الذي يُسقط فيه أبطال غزة طائرات الاحتلال ويصمدون في وجه جيوشه، تأتي السلطة لتطعن مشروع التحرير في خاصرته. لكن التجربة الفلسطينية علمتنا أن المقاومة أقوى من الزنازين، وأن بنادق الشرفاء ستجد دائمًا طريقها إلى التحرير، حتى لو خانها من يفترض أنه “الرئيس”.

اقرأ أيضًا : صفقة تلوح في الأفق.. مخطط إسرائيلي لتهدئة مؤقتة مقابل تسويق جريمة الأسرى كـ”إنجاز”