في ظل تصاعد الغضب الدولي من الجرائم المتواصلة بحق المدنيين في قطاع غزة، وتزايد الضغط الشعبي في الداخل الإسرائيلي لاستعادة الأسرى، بدأت تل أبيب بعرض أوراق “مرنة” في ملف التفاوض مع حركة حماس، في محاولة لتحقيق صفقة تبادل جديدة، لكنّها هذه المرة محمّلة بأبعاد عسكرية وسياسية تتجاوز مجرد إطلاق الأسرى، لتعيد رسم خريطة السيطرة في غزة، وشرعنة جريمة الاعتقال والقتل.

قناة “كان” العبرية نقلت عن مصادر مطلعة قولها إن هناك تقدما كبيرا في ملف التفاوض مع حركة حماس، وإن “اتفاقا قد يُبرم خلال أيام”، بعد أن قدمت إسرائيل خرائط جديدة تتضمن مرونة في تموضع قواتها العسكرية داخل القطاع، في ظل إشارات إيجابية أولية من حماس تجاه المقترح.

أهداف خفية.. إعادة تموضع لا انسحاب حقيقي

ورغم ما يُسوّق إسرائيليًا من “مرونة” مفاجئة في الموقف السياسي والعسكري، فإن البنود المسربة من الاتفاق تكشف نية الاحتلال لإعادة تموضع قواته داخل القطاع وليس انسحابها الكامل، بما يضمن استمرار السيطرة العسكرية على المناطق المحاذية للمستوطنات والكيبوتسات، أي المناطق التي تمثل أهمية أمنية خاصة لإسرائيل.

ويستند المقترح إلى وقف مؤقت لإطلاق النار لمدة 60 يومًا، يتم خلالها تنفيذ صفقة تبادل تتضمن إطلاق سراح 28 أسيرًا إسرائيليًا، من بينهم 10 أحياء و18 قتيلاً، مقابل الإفراج عن آلاف الأسرى الفلسطينيين المحتجزين في سجون الاحتلال، دون توضيح تفاصيل الإفراج أو شروطه. وهو ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تريد “شراء الوقت”، وتلميع صورة حكومة نتنياهو المتورطة في إبادة جماعية، عبر صفقة مؤقتة، تنتهي بانفجار جديد.

صفقة تبادل أم غطاء سياسي لجرائم الحرب؟

وفقًا للقناة العبرية، فإن الصفقة تتضمن مراحل تنفيذ دقيقة تبدأ بالإفراج عن 8 أسرى أحياء في اليوم الأول، يليها انسحاب تكتيكي للجيش من أجزاء في شمال غزة، ثم جنوبها، على أن تدخل مساعدات إنسانية بإشراف الأمم المتحدة والهلال الأحمر.

وفي اليوم العاشر من التهدئة، يُطلب من حماس تقديم معلومات حول مصير بقية الأسرى الإسرائيليين في غزة، فيما تلتزم تل أبيب بالكشف عن بيانات أكثر من 2000 فلسطيني جرى اعتقالهم إداريًا منذ بدء الحرب، مع تعهّد بالإفراج عنهم تباعًا.

لكن جوهر الإشكال هنا لا يتعلق فقط بتفاصيل الصفقة، بل في محاولات إسرائيل تحويل جريمة حرب مستمرة منذ أشهر إلى “فرصة تفاوضية”، يُسوّق من خلالها المجتمع الدولي للتهدئة على أنها “إنجاز دبلوماسي”، رغم أن ما سبقه من قصف وتجويع وتجريف لبنية غزة، هو جريمة موثقة لا تسقط بتبادل أسرى.

مكافأة القاتل.. هل تمنح “المرونة” الإسرائيلية شرعية للعدوان؟

اللافت في تفاصيل التسريبات هو استعداد إسرائيل لـ”تعديل” محور فيلادلفيا، وهو الممر الأمني الحدودي بين غزة ومصر، كجزء من صفقة التبادل، ما يعني اعترافًا ضمنيًا بسيطرتها الميدانية، وسعيًا لإعادة هندسة الحدود دون أي اعتراف بالسيادة الفلسطينية أو وقف دائم للعدوان.

ويبدو أن الاحتلال، الذي قتل أكثر من 38 ألف فلسطيني منذ بداية الحرب، يحاول اليوم استخدام ملف الأسرى كورقة ضغط معنوية على المقاومة، وترويج “مرونته” كدليل على إنسانيته، بينما يستمر في احتجاز الآلاف من الفلسطينيين بدون محاكمة، ويمارس تعذيبًا ممنهجًا داخل المعتقلات، في ظروف تصفها منظمات دولية بأنها ترقى إلى “القتل البطيء”.

وفي ذروة المأساة، تقف القوى الدولية الوسيطة – خاصة واشنطن والدوحة والقاهرة – في موقف أقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى حلها، عبر محاولات التهدئة المؤقتة دون معالجة جذرية لأصل الصراع: الاحتلال والعدوان.

هل تصمد الهدنة أم تنفجر؟ تساؤلات في وجه “التسويق السياسي”

ورغم التفاؤل “الحذر” الذي عبّر عنه مسؤولون عسكريون إسرائيليون، فإن الواقع على الأرض يشير إلى هشاشة أي اتفاق لا يتضمن وقفًا كاملاً للعدوان ورفعًا للحصار ومحاسبة حقيقية عن الجرائم المرتكبة.

فما تريده إسرائيل، وفق مراقبين، هو هدنة تكتيكية تستغلها لترتيب صفوفها عسكريًا وسياسيًا، وإعادة بناء شرعيتها الداخلية المهزوزة، دون أن تكون مستعدة لدفع ثمن حقيقي للسلام. وهو ما ينذر بأن مصير هذا الاتفاق قد لا يختلف كثيرًا عن سابقاته، إذا لم تكن المقاومة الفلسطينية والوسطاء الإقليميون على وعي كامل بمخططات الاحتلال.

خاتمة: المقاومة تفرض أوراقها.. وصفقة الأسرى مؤشر على فشل العدوان

ما بين الخرائط العسكرية، والتحركات الدبلوماسية، وتفاصيل التبادل المعلن وغير المعلن، يتضح أن حماس ما زالت تملك ورقة ضغط مركزية أجبرت الاحتلال على التفاوض، رغم كل ما فعلته تل أبيب من مجازر وتجويع وتدمير.

وإذا ما تم تنفيذ الصفقة، فإنها ستكون دليلاً إضافيًا على أن الاحتلال – مهما حاول الهروب للأمام – لا يستطيع الانتصار عسكريًا على غزة، وأنه مضطر في نهاية المطاف إلى التفاوض مع من وصفهم بالإرهابيين، كدليل على فشل مشروع “الإبادة مقابل الصمت”.

اقرأ أيضًا : صراخ الجنود.. كمين جباليا يفضح هشاشة الاحتلال ويكشف جسارة المقاومة