بقلم: محمود منصور
رغم النداءات المتكرّرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف فوري للقصف، يواصل الاحتلال الإسرائيلي حربه المفتوحة ضد المدنيين في غزة، متجاهلاً كل الدعوات الإنسانية والسياسية. فقد أكّد جهاز الدفاع المدني في القطاع أنّ الاحتلال نفّذ أكثر من 160 ضربة جوية خلال 24 ساعة فقط، في خرقٍ فاضحٍ لكل الوعود الدولية بتهدئةٍ مؤقتة أو وقفٍ لإطلاق النار.
هذه الأرقام ليست مجرّد إحصاءات عسكرية؛ بل مؤشرات على استمرار سياسة الأرض المحروقة التي يمارسها الاحتلال بلا رادع. وفي وقتٍ كان يُفترض أن تبدأ المرحلة الأولى من خطة ترامب لوقف الحرب، اختارت إسرائيل تصعيداً جديداً، استهدفت فيه منازل المدنيين والبنية التحتية الهشة، لترسل رسالة واضحة مفادها أنّها فوق القانون، وأنها لا تعبأ لا بقرارات البيت الأبيض ولا بالشرعية الدولية.
النتيجة كانت كارثية: 67,074 شهيداً و169,430 جريحاً منذ 7 أكتوبر 2023، وفق وزارة الصحة في غزة. إنها حصيلة تعجز اللغة عن وصفها، وتُظهر أن ما يجري ليس حرباً بل إبادة جماعية موصوفة تُنفّذ أمام أعين العالم، فيما يكتفي المجتمع الدولي بإحصاء الضحايا بدل أن يتحرّك لإنقاذهم.

حصار خانق وموت بطيء في قلب المدينة
في موازاة القصف، يخنق الاحتلال مدينة غزة بحصارٍ مطبقٍ هو الأقسى منذ بداية العدوان. فمحورا صلاح الدين وشارع الرشيد مغلقان بالكامل لليوم الرابع على التوالي، ما يعني قطع شرايين الحياة عن أكثر من نصف مليون إنسان. لا مساعدات، لا وقود، لا دقيق، لا دواء. حتى فرق الإسعاف والدفاع المدني صارت تعمل بالحد الأدنى، بعد نفاد الوقود اللازم لتشغيل سياراتها ومولداتها.
ورغم إعلان برنامج الأغذية العالمي إعادة تشغيل بعض المخابز في جنوب ووسط القطاع، إلا أن مخابز مدينة غزة نفسها متوقفة تماماً بسبب الحصار، ما جعل الخبز — أبسط مقومات الحياة — يتحول إلى سلعة نادرة. في المقابل، تُواصل قوات الاحتلال استهداف الشاحنات التي تحاول الاقتراب من المدينة، بينما يمنع الجنود دخول أي مساعدات عبر المعابر المغلقة عمداً، في سياسة واضحة لتجويع السكان وتركيعهم.
هكذا تتحول غزة إلى سجن كبير بلا طعام ولا دواء، تُراقب فيه الطائرات الإسرائيلية أنفاس الجائعين وتتحكم حتى في لقمة الخبز التي تصل أفواههم. ومن المفارقات أنّ الاحتلال يبرر هذا الحصار بأنه “ضرورة أمنية”، في حين أنّ القانون الدولي الإنساني يعتبر التجويع جريمة حرب لا تقل فداحة عن القتل المباشر.
تخاذل رسمي… وغليان شعبي
أمام هذا المشهد المروّع، اكتفى المجتمع الدولي بتصريحات “القلق العميق” و”الدعوات إلى ضبط النفس”، من دون اتخاذ أي خطوة ملموسة لكبح آلة الحرب الإسرائيلية. أما خطة السلام الأمريكية ذات البنود العشرين، التي طرحها ترامب لإنهاء الحرب وتبادل الأسرى، فقد بقيت حبراً على ورق. فالاحتلال تجاهلها فوراً، وواصل قصفه حتى بعد ردّ حماس الإيجابي عليها، في تحدٍّ صارخ للرئيس الأمريكي نفسه.
هذا التجاهل لا يعبّر فقط عن عنادٍ سياسي، بل يكشف هشاشة الإرادة الدولية وضعف النفوذ الأمريكي أمام تطرف حكومة نتنياهو. وقد وصف نشطاء حقوقيون استمرار القصف بعد دعوة ترامب لوقفه بأنه “فضيحة أخلاقية” تكشف تواطؤ العالم الحر مع الجريمة، إذ تحوّلت القوانين والمواثيق إلى شعارات خاوية.
لكن في مقابل هذا الصمت الرسمي، اشتعلت الشوارع حول العالم بصوت الشعوب. خرج مئات الآلاف في روما، مدريد، برشلونة، واشنطن، ونيويورك يهتفون: “حرية لفلسطين”، “أوقفوا الإبادة”، “افتحوا المعابر”. مشاهد لم تعرفها العواصم الغربية منذ عقود، تجمع بين العرب والأوروبيين واليهود المناهضين للصهيونية، في مشهدٍ يُعيد الاعتبار إلى الضمير الإنساني.
حتى عندما واجهت الشرطة الإيطالية المتظاهرين في روما بالعنف، بقيت الهتافات تملأ الشوارع: “من النهر إلى البحر، فلسطين حرّة”. تلك الأصوات صارت الوجه الحقيقي للعالم، في مقابل حكوماتٍ اختارت التواطؤ أو الصمت أو المشاركة في الجريمة.
غزة… مرآة الإنسانية المكسورة
ما يجري في غزة اليوم لا يختبر فقط صمود الفلسطينيين، بل يختبر الضمير الإنساني العالمي. فحين يُقتل الأطفال بالجملة، وتُقصف الجامعات والمستشفيات، ويُمنع عن الناس الطعام والماء، ثم لا يتحرك العالم إلا ببيانات شجب، فإن السؤال يصبح أكبر من الحرب ذاتها:
هل ما زالت هناك منظومة دولية قادرة على حماية الإنسان؟ أم أن القيم التي بُني عليها القانون الدولي قد سقطت في غزة كما سقطت البيوت فوق رؤوس أهلها؟
في النهاية، قد تنجح إسرائيل في قتل الآلاف، لكنها لن تستطيع قتل الذاكرة ولا إسكات الضمير الشعبي الذي يتشكل اليوم عبر القارات. فكل مظاهرة في مدريد أو نيويورك، وكل صوت يرتفع من أجل غزة، هو طلقة وعيٍ في وجه آلة الكذب والدمار.
لقد أصبحت غزة، رغم الحصار والدمار، عنواناً لعصرٍ جديد من الوعي العالمي، وفضحت كل من تواطأ أو صمت. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
إلى متى سيبقى العالم صامتاً أمام جريمة تُرتكب على الهواء مباشرة؟
اقرأ أيضًا : كيف استقبل أهالي غزة رد حماس على خطة ترامب؟