في تطور لافت للعلاقات الجزائرية الإماراتية، لم تعد الخلافات بين البلدين محصورة في مواقف سياسية متباعدة، بل تخطت حدود الأعراف الدبلوماسية لتصل إلى تبادل علني للإهانات، وسط صمت رسمي إماراتي واحتقان جزائري واضح. العلاقة التي كانت توصف في عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة بـ”الاستراتيجية” و”الودية”، تحولت منذ صعود عبد المجيد تبون إلى الحكم عام 2019، إلى مواجهة مفتوحة، تغذيها الملفات الإقليمية الحساسة، والرهانات المتعارضة في شمال أفريقيا والساحل.
بحسب تقرير موسّع لمجلة جون أفريك الفرنسية، فإن جذور الأزمة الحالية تعود إلى قرار الإمارات افتتاح قنصلية في مدينة العيون بالصحراء الغربية في نوفمبر 2020، ما فُسر جزائرياً كاعتراف غير مباشر بسيادة المغرب على الإقليم المتنازع عليه، وهو ما يُناقض الموقف الجزائري التاريخي الداعم لجبهة البوليساريو وحق تقرير المصير. هذا الموقف مثل شرارة أولى في علاقة بدأت بالتآكل تدريجياً.
تفاقم التوتر مع إعلان الإمارات، إلى جانب البحرين والسودان والمغرب، تطبيع علاقاتها مع إسرائيل في سبتمبر من العام نفسه، وهو ما أغضب الجزائر التي تعتبر القضية الفلسطينية “قضية وطنية مقدسة”، وترفض أي شكل من أشكال التطبيع مع “العدو الصهيوني”.

إهانات متبادلة وصدامات علنية.. تصعيد غير مسبوق
الاحتقان الدبلوماسي بلغ ذروته في عام 2024، حين رصدت عدسات الصحافة لقطة غير مسبوقة خلال قمة مجموعة السبع في مدينة باري الإيطالية، ظهر فيها الرئيس تبون وهو يشير بإصبعه نحو صدر محمد بن زايد في حوار جانبي متوتر، عكس حجم الغضب الجزائري من السياسات الإماراتية.
في مارس 2024، صرّح تبون في خطاب داخلي قائلاً: “أينما وُجدت النزاعات، يوجد مال هذه الدولة”، في إشارة مباشرة إلى الإمارات، التي تتهمها الجزائر بالضلوع في تمويل نزاعات في ليبيا ومالي والسودان، ضمن سياسة توسعية مموّلة بالمال والنفوذ. ولم تكتف الجزائر بالإشارات الكلامية، بل أطلقت نشرة أخبارها الرسمية في مايو 2024 هجوماً غير مسبوق على الإمارات، ووصفتها بـ”الدويلة” و”مصنع الشر والفتنة”، واتهمتها بـ”شراء الذمم وزعزعة استقرار الدول”.
وفي المقابل، تبنّت الإمارات استراتيجية الصمت، دون رد رسمي أو إعلامي صريح، وهو ما اعتبرته دوائر جزائرية بمثابة “إقرار ضمني” أو “استعلاء إماراتي” عن الرد. ورغم ذلك، لم تتوانَ وسائل الإعلام الإماراتية المقربة من السلطة في بث تقارير اعتُبرت مستفزة، أبرزها مقابلة على قناة “سكاي نيوز عربية” مع أكاديمي جزائري شكّك في الهوية الأمازيغية للجزائر، ما أثار ردود فعل غاضبة من السلطات، انتهت بحكم قضائي بالسجن على الضيف بتهمة “المساس بالوحدة الوطنية”.
الاشتباك الإقليمي.. من ليبيا إلى إسرائيل
لا تقف المواجهة عند حدود الخطاب الدبلوماسي، بل تمتد إلى ملفات إقليمية شديدة الحساسية. ففي ليبيا، تدعم الإمارات الجنرال خليفة حفتر، بينما تتمسك الجزائر بحكومة طرابلس المعترف بها دوليًا، وترفض أي دور عسكري خارجي في الجوار الليبي. وفي السودان، تتهم الجزائر الإمارات بدعم قوات الدعم السريع في حرب أهلية دموية، تعارضها الجزائر بقوة وتسعى لاحتوائها بدبلوماسية هادئة.
وتنظر الجزائر بعين الريبة إلى ما تعتبره “محورًا إقليميًا إماراتيًا” يعمل على بناء نفوذ سياسي وأمني في شمال أفريقيا والساحل، مستغلًا الاستثمارات والمساعدات لتمرير أجندات أمنية وعسكرية. وتتوجس الجزائر من النفوذ الإماراتي المتنامي في تونس عبر دعم الرئيس قيس سعيّد، وفي موريتانيا من خلال صفقات اقتصادية مشبوهة، وفي مالي من خلال النفوذ على الحركات الانفصالية.
أما الملف الأكثر حساسية، فيبقى إسرائيل. فالإمارات، منذ تطبيعها العلاقات مع الاحتلال، تتجه لتعزيز التعاون الاستخباراتي والعسكري معه، بما يشمل صفقات تكنولوجيا وأمن سيبراني، وهي خطوات ترى فيها الجزائر “خيانة للعرب”، وتعتبر أي تغلغل إسرائيلي في المغرب أو الخليج تهديدًا مباشرًا لها.
رغم هذه الاختلافات الجذرية، لم تعلن الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، لكن التواصل السياسي توقف فعليًا، وغابت اللقاءات الرسمية رفيعة المستوى منذ سنوات. وتبدو كل محاولات التهدئة، كخطوة الإمارات بتسليم عبد المؤمن ولد قدور عام 2021، غير كافية لإعادة المياه إلى مجاريها، في ظل تراكم ملفات الصدام.
خاتمة: مستقبل العلاقة.. نحو قطيعة أم تسوية مؤقتة؟
تكشف الأزمة الحالية بين الجزائر والإمارات عن تحوّل نوعي في العلاقات العربية-العربية، حيث لم تعد الخلافات تُحل خلف الأبواب المغلقة، بل باتت تُخاض على الهواء مباشرة، وبخطاب هجومي غير مسبوق. ورغم احتمالية حدوث تهدئة مستقبلية تدفعها ضرورات اقتصادية أو أمنية، فإن عمق الجروح السياسية، وتشعّب خطوط التماس الإقليمية، يجعلان من المصالحة أمرًا معقدًا.
حتى ذلك الحين، سيظل التراشق بين تبون وبن زايد عنوانًا لأزمة أوسع، تعكس صراع نماذج بين دولتين تنظر كل منهما إلى الأخرى كـ”مهدّد استراتيجي”، في زمن تتغير فيه موازين القوى والتحالفات في المنطقة.
اقرأ أيضًا : فيضانات تكساس.. كارثة طبيعية تفتك بأكثر من 100 شخص وتكشف هشاشة الاستعدادات