لم يكن إعلان الضابط السابق في أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، حسام الأسطل، عن تشكيل مليشيا جديدة في خان يونس حدثاً عابراً أو مجرد محاولة فردية للظهور الإعلامي، بل جاء كجزء من مشهد أكبر يكشف عن استراتيجية إسرائيلية متصاعدة تقوم على توظيف العملاء والوكلاء المحليين في غزة.
فقد تحدث الأسطل في مقابلة صحفية مع وسيلة إعلام عبرية عن “تنسيق” مع الاحتلال لتأمين خدمات أساسية كالكهرباء والمياه في مناطق محاصرة، مقدماً نفسه كبديل أمني وإداري في محيط قرية كيزان النجار. هذه التصريحات، بقدر ما تبدو صادمة، تعكس تحولاً خطيراً في مسار الحرب على القطاع.

من “أبو شباب” إلى “الأسطل”: تكرار النموذج نفسه
ظهور مليشيات برعاية الاحتلال ليس جديداً. قبل أشهر، شكّل ياسر أبو شباب جماعة مسلحة في رفح، سرعان ما تحولت إلى ما يشبه “عصابة مرتزقة” متهمة بالنهب والقتل والتعاون مع الجيش الإسرائيلي. استخدام هذه المجموعات كأذرع ميدانية منح الاحتلال فرصة لتقليل خسائره المباشرة، سواء عبر مرافقة القوافل أو محاولة تفكيك البنية الاجتماعية المقاومة في غزة.
اليوم، يأتي إعلان الأسطل ليؤكد أن ما جرى في رفح لم يكن حالة استثنائية، بل بداية لنهج أوسع. الاحتلال وجد في هؤلاء العملاء واجهة مناسبة لفرض واقع جديد دون أن يظهر كسلطة احتلال مباشر، محمّلاً السكان وزر الفوضى والاقتتال الداخلي.
استراتيجية قديمة بثوب جديد
تاريخ النزاعات في الشرق الأوسط مليء بنماذج مشابهة: دعم ميليشيات محلية في لبنان وسوريا والعراق كان وسيلة للقوى الإقليمية والدولية لإضعاف خصومها. لكن في الحالة الفلسطينية، الخطورة مضاعفة. فغزة أصلاً تعاني من حصار خانق وتفتت داخلي، وإدخال وكلاء محليين برعاية الاحتلال يفتح الباب أمام تحول خطير في بنية الحكم المدني، حيث تصبح الخدمات الأساسية مشروطة بالولاء لمليشيا موالية، لا لمؤسسات عامة منتخبة أو خاضعة للمساءلة.
هذا يعني عملياً خلق نظام “زبائني” جديد، حيث يتلقى الناجون من ويلات الحرب الحماية والغذاء مقابل الانخراط في شبكات أمنية تديرها إسرائيل من وراء الستار.
البعد الشخصي: الأسطل والاتهامات القديمة
اللافت أن شخصية الأسطل نفسها تثير الجدل. تقارير صحفية فلسطينية وإسرائيلية تداولت اسمه منذ سنوات في سياق اتهامات بالعمالة للموساد والمشاركة في عمليات اغتيال. اعتُقل في غزة سابقاً قبل أن يتمكن من الهروب عقب قصف السجون. عودته اليوم إلى الواجهة بزي “زعيم مليشيا” يضيف طبقة جديدة من الشك حول طبيعة الدور الذي أُعيد توظيفه فيه.
سواء صحت كل هذه المزاعم أو لا، فإن مجرد ظهور شخص بمثل هذه الخلفية على الساحة وبخطاب علني عن التنسيق مع الاحتلال يكفي لإثارة المخاوف من أن إسرائيل باتت تعيد تدوير عملائها السابقين ليؤدوا أدواراً علنية في قلب المجتمع الغزّي.
المخاطر الأمنية والإنسانية
دعم مليشيات كهذه يحمل جملة من المخاطر:
- أمنياً: تسليح عصابات مرتبطة بالاحتلال يقوّض أي نظام ضبط داخلي، ويهدد بانفلات أمني شامل، مع ما يرافقه من اغتيالات وتصفيات داخلية.
- إنسانياً واقتصادياً: التجارب السابقة أظهرت أن هذه الجماعات تلجأ إلى نهب المساعدات واحتكار السلع الأساسية، ما يفاقم معاناة المدنيين ويولّد مجاعة صناعية.
- سياسياً: خلق صراع داخلي بين فصائل مقاومة وأخرى عميلة يمهّد لانزلاق نحو حرب أهلية، وهو بالضبط ما تبحث عنه إسرائيل لتفتيت النسيج الاجتماعي في غزة.
المقاومة بين المواجهة العسكرية والمعركة الداخلية
في الوقت الذي تواصل فيه المقاومة الفلسطينية استنزاف الاحتلال عسكرياً وتوجيه ضربات موجعة للداخل الإسرائيلي، يأتي ظهور هذه المليشيات ليشكّل جبهة جديدة أكثر خطورة: جبهة الصراع الأهلي. إذا ما تمكّنت إسرائيل من تثبيت حضور هذه الجماعات، فإنها ستتمكن من ضرب المقاومة من الخلف، عبر تحويل بيئتها الحاضنة إلى خصم داخلي.
لكن في المقابل، الوعي الشعبي داخل غزة بخطورة هذه الظاهرة قد يشكل صمام أمان. فالتجارب السابقة أثبتت أن المجتمع الفلسطيني يمتلك قدرة عالية على عزل العملاء ومقاطعة المجموعات الموالية للاحتلال، وإن كان الثمن دموياً وقاسياً.
خلاصة
إعلان الأسطل عن تشكيل مليشيا في خان يونس ليس مجرد خبر عابر، بل حلقة في استراتيجية إسرائيلية مبرمجة لتجنيد عملاء ووكلاء محليين من أجل إدارة غزة بالوكالة، وتحميل الفلسطينيين أعباء الفوضى والاقتتال. هذه السياسة، وإن بدت قصيرة المدى وسيلة لتقليل خسائر الاحتلال، فإنها طويلة المدى وصفة مؤكدة لانهيار النسيج الاجتماعي وتحويل غزة إلى ساحة حروب داخلية.
الرد الحقيقي على هذه المخططات لا يكون إلا بإعادة بناء مؤسسات محلية شفافة وقابلة للمساءلة، وبتحصين الجبهة الداخلية ضد محاولات الاختراق والتفتيت. أما استمرار الرهان على مليشيات مدعومة من الخارج، فلن يجلب إلا مزيداً من الدماء والدمار، ويترك وراءه مجتمعاً ممزقاً بين ولاءات متصارعة.
اقرأ أيضًا : نتنياهو يأمر جيش الاحتلال بـ “هدم غزة من جذورها”.. أهداف استعمارية تحت غطاء أمني