في تطور جيوسياسي يعيد رسم خارطة النفوذ في القارة السمراء، أعلنت جمهورية الكونغو الديمقراطية عن تدشين “قوة أمن التعدين”، وهي في جوهرها ميليشيا مسلحة جديدة تم إنشاؤها بتمويل ودعم مباشر من الولايات المتحدة ودولة الإمارات العربية المتحدة. هذا التحرك، الذي يأتي تحت لافتة “تأمين الاستثمارات”، يمثل حلقة جديدة في مسلسل “خصخصة الحروب” وعسكرة الموارد الطبيعية، حيث تبرز الإمارات كلاعب أمني رئيسي يتجاوز دور الوسيط التجاري إلى دور “الراعي الميداني”.
أبوظبي وواشنطن تنشآن مليشيا لحماية مناجمهما في الكونغو
– أعلنت الكونغو يوم الاثنين عن إنشاء مليشيا جديدة لتأمين عمليات التعدين الواسعة لديها، بدعم من استثمارات أمريكية وإماراتية، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى ضمان الوصول إلى المعادن الحيوية وسط عملية سلام هشة في الشرق المضطرب.
–… https://t.co/yoyT2FRRIc pic.twitter.com/kOauPXl96T
— Ahmad Shomokh (@ahmadshomokh) April 28, 2026
هيكلية الميليشيا: جيش موازٍ لحماية الثروات
كشفت البيانات الرسمية الصادرة عن المفتشية العامة للمناجم في كنشاسا أن هذه القوة ليست مجرد حراسات مدنية، بل هي تشكيل شبه عسكري يخضع لتدريبات قتالية مكثفة. بدأت المرحلة الأولى بنشر 3000 عنصر، ومن المقرر أن تصل القوة إلى 20 ألف مقاتل بحلول عام 2028، لتغطي كافة مقاطعات التعدين الـ22.
ستتولى هذه الميليشيا مهاماً سيادية كانت منوطة بالجيش النظامي، مثل تأمين مواقع استخراج “الكولتان” و”الكوبالت”، ومرافقة الشحنات عبر الحدود، وحماية منشآت المعالجة. هذا التحول يعكس “فقدان الثقة” الغربي والإماراتي في قدرة الجيش الكونغولي، ويفضل بدلاً منه قوة “مدفوعة الأجر” تضمن تدفق المعادن بعيداً عن تقلبات السياسة المحلية.
الأذرع الإماراتية: من ذهب السودان إلى كولتان الكونغو
لا يمكن قراءة هذا التدخل الإماراتي بمعزل عن استراتيجيتها الأوسع في أفريقيا. فأبوظبي التي تواجه اتهامات دولية بدعم ميليشيا “الدعم السريع” في السودان للسيطرة على الذهب، تكرر النموذج ذاته في الكونغو لكن بغطاء قانوني هذه المرة. تعمل الإمارات عبر شركات مثل “إنتيرناشيونال ريسورسز القابضة” (IRH) التابعة لـ “سلالة” النفوذ في أبوظبي، للاستحواذ على حصص حاكمة في المناجم الكبرى.
إن تمويل الإمارات لهذا البرنامج بقيمة 100 مليون دولار بالشراكة مع واشنطن، يثبت أن دبي باتت “العقدة اللوجستية والمالية” التي تمر عبرها معادن النزاعات. فالميليشيا الجديدة ستعمل كذراع أمنية لضمان وصول هذه المعادن النادرة، الضرورية لصناعة الهواتف الذكية ومحركات الطائرات، إلى الأسواق العالمية عبر الموانئ الإماراتية.
دائرة ترامب و”دبلوماسية الصفقات الخاصة”
يبرز في كواليس هذا التحالف دور “دوائر الأعمال” المحيطة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مما يضفي طابعاً عائلياً وتجارياً على السياسة الخارجية:
- جنتري بيتش: الصديق المقرب لـ “دونالد ترامب جونيور”، يقود جهود شركة “فيرتوس مينيرالز” للسيطرة على أصول تعدينية ضخمة، مستفيداً من القوة الأمنية الجديدة لتأمين مناطق العمليات.
- مسعد بولوس: مستشار ترامب للشؤون الأفريقية وصهر عائلته، الذي لعب دوراً محورياً كـ “مهندس” للتفاهمات الأمنية بين كنشاسا ورواندا، بهدف تهدئة الجبهات مؤقتاً لضمان خروج الشحنات المعدنية.
- مايكل بولوس (زوج تيفاني ترامب): كشفت التقارير عن مساعيه لتمويل مشروع “روبايا” في شرق البلاد، وهو المنجم الذي ينتج وحده 15% من إمدادات “التنتالوم” العالمية، مما يضع مصالح عائلة الرئيس في مواجهة مباشرة مع تعقيدات الحرب الأهلية في الكونغو.
صراع القوى العظمى: كسر الهيمنة الصينية
تسعى واشنطن عبر هذا التحالف مع الإمارات إلى تقليص هيمنة الصين التي تسيطر على أكثر من 70% من قطاع التعدين في الكونغو. إنشاء ميليشيا “حماية المناجم” هو في الواقع “إعلان حرب اقتصادية” بصبغة عسكرية؛ حيث ستحاول الشركات الأمريكية والإماراتية المدعومة بهذه القوة انتزاع السيطرة على مواقع التعدين الحيوية، خاصة في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون أو تلك التي تشهد نزاعات قانونية مع الشركات الصينية.
عواقب “عسكرة الموارد”: تكريس النزاع
بينما تروج كنشاسا وأبوظبي لهذه الميليشيا كأداة لـ “الاستقرار”، يرى المحللون أنها “وصفة للانفجار”. فالاعتماد على قوة شبه عسكرية ممولة أجنبياً يؤدي إلى تآكل سيادة الدولة الكونغولية ويحولها إلى “دولة شركات”.
تاريخ أفريقيا يشير إلى أن الميليشيات التي تنشأ لحماية المناجم غالباً ما تتحول إلى أمراء حرب بمجرد توقف التمويل أو تغير المصالح. ومع وجود 40% من الكولتان العالمي في قبضة هذه القوة الجديدة، يصبح مستقبل التكنولوجيا العالمية رهيناً لتحالف “البارود والمال” الذي تقوده واشنطن وأبوظبي، بعيداً عن أي رقابة دولية أو اعتبار لحقوق الإنسان في المناطق المنكوبة.
الخلاصة
إن إنشاء ميليشيا التعدين بتمويل إماراتي-أمريكي هو تجسيد لسياسة “الأذرع الطويلة” التي تنتهجها أبوظبي في أفريقيا. فبينما يتم تبادل الابتسامات في واشنطن ودبي حول “اتفاقيات التعاون”، يتم على الأرض في الكونغو تأسيس واقع عسكري جديد، حيث الرصاص هو الضمان الوحيد لتدفق المعادن، وحيث تصبح ثروات الشعوب الأفريقية وقوداً لصراعات القوى العظمى وطموحات العائلات السياسية النافذة.
اقرأ أيضًا : نتنياهو يترنح تحت وطأة الفشل: البحث عن “كبش فداء” للتغطية على هزيمة الاحتلال في لبنان