في خطوة لافتة تعكس استراتيجيات الاحتلال الإسرائيلي في استغلال الورقة الطائفية داخل سوريا، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن حكومة الاحتلال بصدد السماح لعمال دروز سوريين بالعمل في مستوطنات الجولان المحتل. 

هذه الخطوة، التي وصفها كاتس بأنها تأتي في إطار “تعزيز العلاقات مع الطائفة الدرزية”، تثير تساؤلات حول النوايا الحقيقية لإسرائيل في توظيف الدروز السوريين ضمن أجندتها السياسية والأمنية في المنطقة.

جاء هذا الإعلان تزامنًا مع دعم غير مسبوق للطائفتين الدرزية داخل إسرائيل، في محاولة واضحة لاستمالة هذه الفئات عبر الامتيازات الاقتصادية والمالية. 

والمثير أن هذه المبادرة يقودها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير المالية بتسليل سموتريتش، وهما من الشخصيات التي تتبنى سياسات استيطانية توسعية، مما يشير إلى أن هذه الخطوة ليست سوى جزء من مشروع أكبر لإعادة تشكيل المشهد السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد.

في المقابل، لم تعقب الإدارة السورية الجديدة حتى اللحظة على هذه التصريحات، لكنها تؤكد في مواقفها الرسمية التزامها بحماية جميع الطوائف داخل البلاد دون تمييز، ما يعكس تناقضًا واضحًا مع الرواية الإسرائيلية التي تزعم تعرض الدروز السوريين لمخاطر وتهديدات.

إسرائيل تستغل الدروز لإعادة رسم خارطة النفوذ في سوريا

تكشف هذه الخطوة عن استراتيجية إسرائيلية أوسع تستهدف إعادة تشكيل التوازنات في سوريا عبر تفتيت النسيج الوطني باستخدام ورقة الدروز. 

فبعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، بدا واضحًا أن تل أبيب تسعى إلى استغلال هذا التحول التاريخي لفرض أمر واقع جديد يخدم مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.

ويؤكد مراقبون أن إسرائيل لم تكن ترغب أبدًا في سقوط نظام الأسد، حيث كان بمثابة “الجار المفيد” الذي التزم بخطوط التهدئة ولم يشكل تهديدًا حقيقيًا على أمنها.

ولعل أبرز دليل على ذلك أن الاحتلال سارع فور سقوط النظام بقصف مستودعات الأسلحة الاستراتيجية للجيش السوري السابق، في محاولة لمنع وصول هذه الترسانة العسكرية إلى قوات الإدارة الجديدة، وهو ما يؤكد حجم الرهان الإسرائيلي على بقاء النظام السابق في السلطة.

كما استغلت إسرائيل هذه الفوضى لاحتلال المنطقة السورية العازلة ومنطقة جبل الشيخ، وأعلنت انهيار اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، مما يعكس نيتها في فرض نفوذ أكبر على الجولان المحتل وتحويله إلى منطقة تحت سيطرة إسرائيلية كاملة، مستغلة في ذلك حالة الضعف العسكري والسياسي التي تواجهها سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

مشروع التقسيم الإسرائيلي في مواجهة وحدة السوريين 

في ظل هذه التطورات، تحاول إسرائيل مجددًا إعادة إحياء مشروع تقسيم سوريا عبر استغلال مكونات المجتمع السوري، لا سيما الطائفة الدرزية، في محاولة لإيجاد موطئ قدم لها داخل العمق السوري. 

فقد سبق لإسرائيل أن دعمت جماعات مسلحة في الجنوب السوري خلال الحرب الأهلية، وحاولت إقامة منطقة حكم ذاتي درزي موالٍ لها في السويداء، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل بسبب الرفض الشعبي الواسع.

أما اليوم، فإن تل أبيب تراهن على انقسام داخلي جديد يمكن أن تخلقه عبر السماح للعمال الدروز بالعمل في المستوطنات الإسرائيلية، وهي خطوة تهدف إلى استقطاب هذه الفئة اقتصاديًا واجتماعيًا، تمهيدًا لاستغلالها سياسيًا وعسكريًا في المستقبل.

لكن على الرغم من هذه المناورات، فإن الشعب السوري بمختلف مكوناته، ومن بينهم الدروز، يلتف بشكل متزايد حول الحكومة الشرعية الجديدة، رافضًا أي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية للبلاد. 

وقد تجلى ذلك بوضوح في الموقف الصارم الذي اتخذته قيادات مدينة جرمانا، التي رفضت تصريحات نتنياهو حول “حماية الدروز”، واعتبرت ذلك تدخلاً سافرًا في شؤونهم الداخلية.

بالتالي، فإن الرهان الإسرائيلي على تفتيت سوريا عبر ورقة الدروز قد يصطدم بواقع مختلف، حيث يتزايد الوعي الشعبي بأهمية الحفاظ على وحدة البلاد وعدم الوقوع في فخ المشاريع الإسرائيلية التي تستهدف تقسيم المنطقة وفق خطوط طائفية وعرقية، وهو السيناريو ذاته الذي حاولت تل أبيب فرضه في العراق ولبنان خلال العقود الماضية.

في النهاية، تسعى إسرائيل إلى استغلال الأوضاع المستجدة في سوريا لصالحها، لكن المشروع الإسرائيلي لتقسيم سوريا عبر بوابة الدروز يبدو أكثر صعوبة هذه المرة، خاصة في ظل الالتفاف الشعبي حول الحكومة الشرعية الجديدة ورفض أي تدخل خارجي. 

ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح إسرائيل في تنفيذ مخططاتها أم أن سوريا ستتمكن من إفشال هذه المؤامرات وتعزيز سيادتها على كامل أراضيها؟

اقرأ أيضًا : فلول النظام السوري بين محاولات العودة وتصدي الحكومة الجديدة: معركة على جبهات متعددة