بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، لم تهدأ محاولات الفلول العسكرية والأمنية للعودة إلى المشهد السوري، مستفيدةً من دعم خارجي متنوع بين الاحتلال الإسرائيلي والنفوذ الإيراني. 

وفي أحدث التحركات، شنت بقايا النظام هجمات منسقة على جبهات مختلفة في البلاد، كان أبرزها في الساحل السوري، مما استدعى تدخلاً أمنياً وعسكرياً حاسماً من القوات الحكومية السورية الجديدة.

في دمشق، استهدف مسلحون فرع الأمن السياسي في حي المزة في الساعات الأولى من فجر الإثنين، بإلقاء قنبلة أدت إلى إصابة عنصر أمني، وفق ما نقلته وسائل الإعلام المحلية.

وعلى الفور، لاحقت قوات الأمن المهاجمين ونجحت في القبض على عنصرين منهم، ما أدى إلى استعادة السيطرة وعودة الهدوء إلى المنطقة. 

تزامن ذلك مع تحركات عسكرية واسعة النطاق في الساحل السوري، حيث انتقلت تعزيزات أمنية إلى اللاذقية وطرطوس، وذلك بالتزامن مع المرحلة الثانية من حملة ملاحقة الفلول في الجبال والريف الساحلي، حيث يتمركز الضباط السابقون المتمردون.

عبث إماراتي إسرائيلي إيراني!

في الشمال، اشتدت المعارك بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المدعومة أميركياً، في مدينة حلب، وتحديداً على جبهة الأشرفية، وأكد المتحدث باسم وزارة الدفاع العقيد حسن عبد الغني لوكالة سانا أن الجيش تصدى لهجوم شنته قسد وأوقع خسائر في صفوف المهاجمين. 

في الوقت ذاته، استمرت التعزيزات العسكرية الحكومية بالتدفق إلى الجبهات لمواجهة تصعيد “قسد”، التي ترفض الاندماج في الجيش السوري الجديد وتصر على الاحتفاظ بسيطرتها على مناطق النفط والغاز في شمال وشرق البلاد.

اللافت في المعركة كان التغطية الإعلامية المتشابكة بين وسائل إعلام إيرانية وإسرائيلية وإماراتية، حيث بدا واضحاً أن الدعم العسكري والإعلامي يتقاطع أحياناً بين قوى تبدو ظاهرياً متناقضة، لكنها في الواقع تتلاقى في مصالحها عندما يتعلق الأمر بعرقلة استقرار سوريا الجديدة.

وتشير مصادر ميدانية إلى أن حكومة دمشق تتعامل مع هذه التهديدات بيدٍ من حديد، مستفيدةً من الدعم الشعبي الواسع بعد سقوط النظام السابق. فالتحركات العسكرية ليست فقط تصدياً لهجمات فلول النظام، بل تأتي في إطار رؤية أمنية جديدة تهدف إلى منع أي مشروع انفصالي شمالاً وإفشال أي محاولة خارجية لإعادة تدوير رموز النظام القديم بأي شكل من الأشكال.

اعتقالات في دير الزور والتفاف شعبي ضد الفلول

بالتزامن مع العمليات العسكرية في حلب والساحل، نفذت الأجهزة الأمنية السورية حملة اعتقالات في محافظة دير الزور استهدفت أربعة من قادة الفلول بتهم التخطيط لهجمات ضد المقرات الأمنية والحكومية. 

وأعلنت السلطات أن المعتقلين كانوا على صلة بشبكة تهدف إلى زعزعة الأمن والاستقرار، مستغلين الفوضى التي نشأت في بعض المناطق إثر سقوط النظام.

على الصعيد السياسي، جاءت هذه التحركات مدعومة بزخم شعبي واسع، إذ أظهرت بيانات رسمية أن عشرات الآلاف من عناصر النظام السابق استجابوا لمبادرة المصالحة التي أطلقتها الحكومة الجديدة، والتي تمنح العفو لمن لم تتلطخ أيديهم بالدماء، مقابل تسليم سلاحهم والتخلي عن العمل المسلح.

إلا أن مجموعات أخرى، خصوصاً في الساحل السوري، فضّلت اللجوء إلى العمل المسلح بدعم خارجي، مما جعلهم في مواجهة مفتوحة مع الحكومة والقوى الشعبية التي ترفض إعادة إنتاج النظام القديم.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن الدولة لن تسمح بأي محاولة لإعادة الفلول إلى الواجهة، مشدداً على أن المرحلة المقبلة ستشهد تعزيز الأمن الوطني وملاحقة كل من يسعى إلى زعزعة الاستقرار. 

كما أعلن عن تشكيل لجنة تحقيق خاصة لمتابعة أحداث الساحل، إضافةً إلى لجنة أخرى لضمان الحفاظ على السلم الأهلي، وذلك في إشارة إلى التزام الحكومة الجديدة بإدارة الأزمة بحكمة دون الانزلاق إلى صراعات داخلية تهدف بعض الأطراف الخارجية إلى تأجيجها.

يبدو أن الصراع في سوريا بعد سقوط الأسد لم ينتهِ بعد، إذ إن المرحلة الجديدة لا تزال تواجه تحديات داخلية وخارجية كبرى، حيث تحاول القوى التي استفادت من النظام السابق إعادة ترتيب صفوفها، بينما تعمل الحكومة الجديدة على ترسيخ سيطرتها وحماية وحدة البلاد من التفكك.

وفي ظل هذا المشهد، يبقى الالتفاف الشعبي حول الحكومة السورية الجديدة هو العامل الحاسم في حسم هذه المعركة لصالح استقرار البلاد.

اقرأ أيضًا : إحباط هجوم إرهابي على شركة نفطية في اللاذقية وتعزيزات أمنية لمناطق الساحل السوري