في خطوةٍ وُصفت بأنها محاولةٌ لكسر الصمت الرسمي حول أحد أكثر الملفات الإنسانية اشتعالًا في مصر، أعلنت قوى سياسية وحزبية وشخصيات عامة مصرية، أمس الاثنين، تأسيس “اللجنة الشعبية للدفاع عن سجناء الرأي”، خلال مؤتمر احتضنه مقرّ حزب الكرامة بوسط القاهرة. جاء هذا الإعلان ليعيد إلى الواجهة ملف المعتقلين السياسيين الذي تجمّد طويلاً تحت وطأة القمع الأمني وتجاهل النظام الحاكم لمطالب الأحزاب والنشطاء ومنظمات المجتمع المدني بالإفراج عن الآلاف من سجناء الرأي.
اللجنة الجديدة، التي تضم طيفًا واسعًا من رموز المعارضة والمدافعين عن الحريات، تعهدت بمواجهة هذا الملف بما تملك من أدوات قانونية وحقوقية وإعلامية، لتسليط الضوء على الانتهاكات اليومية في السجون المصرية التي يعيش داخلها آلاف المعتقلين، وسط ظروفٍ قاسية دفعت منظمات دولية لوصفها بـ”غير الإنسانية”.

أول تحرك منظم ضد القمع
خلال المؤتمر التأسيسي، ألقى الدكتور عبد الجليل مصطفى، رئيس الجمعية الوطنية للتغيير سابقًا، البيان التأسيسي للجنة، بحضور شخصيات بارزة مثل أحمد الطنطاوي، المرشح الرئاسي السابق والمعتقل السابق، والدكتورة ليلى سويف، والدة الناشط علاء عبد الفتاح، إلى جانب عدد من الرموز المعارضة الذين ذاقوا مرارة السجن مثل ماهينور المصري وهشام فؤاد وأحمد دومة ويوسف شعبان.
البيان التأسيسي، الذي حمل شعار “#مصر_بلا_سجناء_رأي”، أكد رفض استمرار اعتقال آلاف المصريين بسبب آرائهم أو انتماءاتهم السياسية، واعتبر أن حبس أكثر من ستة آلاف معتقل سياسي يمثل انتهاكًا للدستور ولحقوق الإنسان، ويقوّض النسيج الاجتماعي ويعمّق أزمة الثقة في النظام القضائي.
اللجنة شددت على أن النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي يستخدم منظومة العدالة كأداةٍ لتصفية الحياة السياسية ومصادرة المجال العام، بعدما حوّل القضاء إلى واجهةٍ شكلية لتبرير القمع الممنهج، سواء بحق السياسيين أو الصحفيين أو حتى مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.
ملف المعتقلين.. الجرح المفتوح
وفقًا لما جاء في البيان، فإن مصر تعيش منذ سنواتٍ حالة طوارئ غير معلنة، تُدار فيها السجون كمناطق معزولة عن القانون، ويُحتجز فيها المواطنون احتياطيًا لسنوات دون محاكمة، فيما يتعرض آخرون للاختفاء القسري أو المنع من الزيارة أو الحرمان من العلاج. هذه الممارسات، كما قالت اللجنة، أودت بحياة العشرات داخل السجون، في ظل غيابٍ تام للمساءلة وإفلات الجناة من العقاب.
المعتقلون، وفق اللجنة، لا يُعاقبون على جرائم حقيقية، بل على آرائهم، وعلى استخدامهم حقهم الدستوري في التعبير والانتماء. من بين هؤلاء صحفيون ومدافعون عن حقوق الإنسان وأساتذة جامعات وطلبة، وحتى مواطنون عاديون كتبوا منشورات على الإنترنت تنتقد الأوضاع الاقتصادية أو الأمنية.
البيان ربط بين اتساع دائرة القمع وبين انهيار المجال العام في البلاد، مؤكّدًا أن تغييب الآلاف خلف القضبان لا يحمي الاستقرار، بل يهدد السلم الاجتماعي، ويخلق حالة احتقان قد تنفجر في أي لحظة.
لجنة مقاومة القهر
اللجنة حدّدت لنفسها مجموعة من المهام الواضحة، أبرزها تقديم الدعم القانوني والحقوقي للمعتقلين وذويهم، ورصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان، إلى جانب إصدار تقارير دورية عن أوضاع السجون، وتوجيه رسائل للمؤسسات الدولية لتحمّل مسؤولياتها تجاه ما وصفته بـ”الانتهاكات الممنهجة”.
كما تسعى اللجنة إلى الضغط السلمي عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، والتعاون مع القوى السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، في محاولةٍ لإحياء الأمل في وجود حركة مدنية قادرة على إحداث فارق داخل المشهد المسدود.
وفي مشهدٍ رمزي لافت، حضرت أسر المعتقلين المؤتمر، لتؤكد أن الملف لم يعد قضية سياسية فحسب، بل قضية إنسانية تمس آلاف الأسر التي تعيش المأساة منذ سنوات دون أفق أو عدالة.
قمع السيسي أمام مرآة جديدة
إعلان تأسيس اللجنة يأتي في وقتٍ تتزايد فيه الانتقادات الدولية لسجل مصر الحقوقي، بعد تقارير متكررة من منظمات مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش التي تحدثت عن “تعذيبٍ ممنهج” و”إعداماتٍ خارج القانون” و”تصفيةٍ للمعارضة السلمية”.
وفي المقابل، يواصل نظام السيسي إنكار وجود سجناء رأي من الأساس، مروجًا لروايةٍ رسمية تزعم أن المعتقلين “متهمون في قضايا إرهاب”. غير أن ظهور هذه اللجنة — التي تضم شخصيات من تياراتٍ سياسية مختلفة، يسارية وليبرالية وإسلامية — يعيد تعريف النقاش حول الحرية في مصر، ويفضح زيف الخطاب الرسمي الذي يحاول طمس هذا الملف.
اللجنة ليست مجرد إعلان رمزي، بل تعبير عن نقطة تحوّل في وعي المعارضة المدنية، التي بدأت تدرك أن معالجة الانقسام السياسي لن تتم إلا بتوحيد الصفوف خلف قضية الحريات. إنها دعوة صريحة لاستعادة المجال العام من أيدي الأجهزة الأمنية، ولإعادة الاعتبار إلى العمل السياسي بوصفه حقًا لا جريمة.
خاتمة: محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
قد لا تملك اللجنة سلاحًا سوى الكلمة والضغط الحقوقي، لكنها تُمثل بارقة أمل في مشهد خانق. فبعد أكثر من عقدٍ من القمع المتواصل، واحتجاز الآلاف بلا تهم واضحة، يطل هذا الكيان كصرخة مدنية تقول إن مصر ما زال فيها من يرفض الاستبداد، ومن يؤمن بأن العدالة والحرية ليستا ترفًا بل شرطًا لنهضة الوطن.
في بلدٍ يسجن أبناءه لأنهم تكلموا، قد يكون مجرد الإعلان عن لجنةٍ كهذه عملًا مقاومًا بحد ذاته، ورسالة إلى العالم بأن صوت الحرية لم يُخمد بعد، رغم صخب القمع، وأن مصر — مهما اشتد ليلها — لا تزال تنجب من يدافع عن ضميرها الحي.
اقرأ أيضًا : بدعم من الإمارات.. إسرائيل تنفي نشر قوات تركية في غزة