مقال رأي / أحمد محمد أحمد

في خضم صراع النفوذ المتصاعد في شرق البحر المتوسط، برزت تحركات مصرية مفاجئة بإطلاق مسوحات زلزالية في مناطق بحرية قريبة من حدودها الغربية مع ليبيا، وهي خطوة فُسّرت على نطاق واسع باعتبارها تحديًا مباشرًا للاتفاقية البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية عام 2019. 

هذه الخطوة لا تُقرأ فقط كتحرك تقني لاستكشاف الموارد، بل كمناورة سياسية محسوبة بدقة، هدفها كبح تمدد النفوذ التركي في المنطقة، وفتح المجال لتدخلات اقتصادية وسياسية إماراتية تحاول منذ سنوات ترسيخ موطئ قدم لها في المتوسط.

السيسي يخدم الإمارات ويحاول كسر النفوذ التركي

بحسب صحيفة “كاثيميريني” اليونانية، بدأت مصر منذ 21 أغسطس/آب تسيير سفينة الأبحاث الزلزالية “رامفورم هايبريون” لإجراء مسوحات في مناطق بحرية على حدودها الغربية، بينها جزء مثلثي تعتبره ليبيا ضمن ولايتها البحرية، وسبق أن منحته في يونيو/حزيران الماضي لشركة النفط التركية الحكومية “تي بي إيه أو”.

هذه المنطقة تقع ضمن نطاق مذكرة التفاهم البحرية التي وقعتها أنقرة وطرابلس عام 2019، والتي أثارت اعتراضات شديدة من مصر واليونان وقبرص، معتبرين أنها تتجاهل حقوقهم البحرية وتمنح تركيا موطئ قدم استراتيجي في قلب المتوسط.

مصر كانت قد أعلنت رفضها للمذكرة منذ البداية، لكنها اكتفت حينها بمواقف دبلوماسية دون خطوات عملية. إلا أن إصدار القاهرة المرسوم الرئاسي رقم 595 في ديسمبر/كانون الأول 2022 لتحديد حدودها البحرية الغربية، مثّل تأسيسًا قانونيًا لهذه الخطوة الحالية، والتي تعد أول تطبيق عملي لرفضها للمذكرة التركية–الليبية، في وقت حساس تتزايد فيه رهانات السيطرة على موارد الغاز شرق المتوسط.

ضغط سياسي على الدبيبة وتحجيم للطموحات التركية

يرى الإعلامي الليبي عاطف الأطرش أن المسوحات المصرية هي “رد عملي متأخر على مذكرة التفاهم البحرية بين أنقرة وطرابلس”، مشددًا على أن أهميتها تكمن في أنها تجري في منطقة منحتها ليبيا رسميًا لشركة تركية للتنقيب، وهو ما يعني رسالة مباشرة لأنقرة بأن مصر لن تقبل بتمددها قرب حدودها البحرية.

لكن الأطرش يضيف أن هذه الخطوة لا تهدف إلى مواجهة مفتوحة، بل إلى “عرقلة تنفيذ الاتفاقية والتشكيك في قانونية الامتيازات، وإرباك الاستثمارات التركية”. كما تحمل رسالة إلى حكومة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس بأن المضي في ترسيخ التعاون البحري مع تركيا سيؤثر على علاقاتها مع القاهرة.

بهذا المعنى، تتحرك القاهرة لإضعاف شرعية الاتفاقية عبر خطوات عملية، تخلق حالة من الشك وعدم الاستقرار القانوني حول أي استثمارات تركية مستقبلية في هذه المنطقة، ما قد يدفع شركات الطاقة العالمية إلى التريث، ويضعف قدرة تركيا على تحويل المذكرة إلى واقع جيو-اقتصادي.

حسابات مصر المعقدة: بين أوروبا وشرق المتوسط

من جانبه، قال عضو المجلس الأعلى للدولة في ليبيا سعد بن شرادة إن “النزاعات البحرية أمر طبيعي في المتوسط بسبب غياب آلية فعالة لحسمها دوليًا”، مشيرًا إلى أن مصر “سبق واستفادت جزئيًا من المذكرة التركية الليبية بزيادة منطقتها الاقتصادية، لكنها توازن بين ذلك وبين علاقاتها بدول جنوب أوروبا”.

ويبدو أن هذه الإشارة تكشف جوهر الموقف المصري: فالقاهرة تحاول الاستفادة من الوضع دون خسارة علاقاتها الاستراتيجية مع اليونان وقبرص وفرنسا، الذين يقودون محورًا إقليميًا مناهضًا للتوسع التركي في المتوسط، وتحظى بدعم اقتصادي وسياسي كبير من الإمارات التي تمول مشاريع غازية وطاقوية في شرق المتوسط.

وهنا يتضح أن التحرك المصري يصب في مصلحة أبوظبي، إذ يعرقل تمدد أنقرة ويمنح الإمارات متنفسًا لتعزيز استثماراتها في البنية التحتية البحرية والغازية شرق المتوسط دون منافسة تركية مباشرة، خصوصًا أن الإمارات دخلت مؤخرًا في شراكات طاقة مع مصر واليونان وإسرائيل.

احتمالات التصعيد: صدام مؤجل أم تفاهم ثلاثي؟

مع ذلك، يرى الأكاديمي الليبي فرج دردور أن مصر “اغتصبت ملكية ليبية بإعلان حدودها من طرف واحد”، مستبعدًا أن تكون خطوة المسح مجرد ضغط على ليبيا لإلغاء الاتفاقية مع تركيا، ومتوقعًا أن تتجه طرابلس إلى التحالف مجددًا مع أنقرة ضد القاهرة إن تصاعدت الأزمة. لكنه أشار إلى احتمال آخر يتمثل في تفاهم ثلاثي بين مصر وتركيا وليبيا لتقاسم المنافع وضمان الحقوق البحرية للجميع، في ظل إدراك القاهرة أن التصعيد قد يحرمها من الاستفادة من موارد الغاز.

هذا السيناريو يعكس إدراك جميع الأطراف أن التصعيد العسكري غير وارد، وأن ما يجري هو صراع قانوني-اقتصادي ناعم تحاول كل دولة فيه تثبيت موطئ قدم تفاوضي قبل الدخول في أي مفاوضات ترسيم نهائية برعاية أممية أو أوروبية.

خاتمة: القاهرة تخلط الأوراق لمصلحة محور أبوظبي–أثينا

في المحصلة، تبدو الخطوة المصرية الأخيرة أكثر من مجرد مسح زلزالي روتيني؛ فهي مناورة استراتيجية معقدة تسعى إلى كسر الاندفاعة التركية في المتوسط، والضغط على حكومة الدبيبة، وكسب دعم محور اليونان–قبرص–الإمارات، بما يعزز مكانتها كقوة محورية في شرق المتوسط.

ورغم أن احتمال الصدام المباشر مع تركيا يبدو مستبعدًا في الوقت الراهن، فإن هذه التحركات ترسّخ معادلة جديدة عنوانها أن القاهرة لن تسمح بفرض أمر واقع بحري قرب حدودها، وأنها مستعدة لاستخدام أدوات قانونية واقتصادية وسياسية لحماية مصالحها، ولو جاء ذلك على حساب استقرار علاقاتها مع الجارة ليبيا، وبما يخدم استراتيجيات أوسع لشركائها في أبوظبي.

اقرأ أيضًا : إثيوبيا تحتفي بتدشين سد النهضة.. والسيسي يضيّع الحق التاريخي لمصر