تتوالى الوقائع التي تكشف كيف تحوّلت قرارات الأمن القومي الأميركي في ملف الذكاء الاصطناعي إلى ساحة تضارب مصالح فجة، تتداخل فيها السلطة السياسية بالاستثمارات الخاصة والعلاقات الشخصية مع أنظمة خليجية، وعلى رأسها الإمارات. فقد طُرح رسميًا طلب داخل الولايات المتحدة للتحقيق في أدوار مسؤولين كبار في إدارة دونالد ترامب بسبب ضغوط مارسُوها لتمرير صفقات بيع رقائق ذكاء اصطناعي متقدمة إلى الإمارات، رغم حساسيتها الأمنية ورغم التحذيرات الواضحة من داخل المؤسسة الأميركية نفسها.
مكتب المفتش العام المستقل في وزارة الخارجية الأميركية تلقّى طلبًا للتحقيق في سلوك مسؤولين بارزين داخل الإدارة، بعد مخاوف جدية من أن قرارات تخفيف القيود على تصدير تقنيات استراتيجية لم تُتخذ بناءً على اعتبارات المصلحة العامة أو الأمن القومي، بل نتيجة مصالح مالية مباشرة وغير مُعلنة. محور هذه الشبهات يتمحور حول شخصيتين مركزيتين في منظومة ترامب: ديفيد ساكس، المعيّن كمنسّق الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض، وستيف ويتكوف، المبعوث الدبلوماسي المقرب من الرئيس، وكلاهما لعب دورًا محوريًا في الدفع نحو السماح ببيع تقنيات عالية الحساسية للإمارات.
الوقائع تشير إلى أن ساكس وويتكوف كانا من أبرز المدافعين داخل البيت الأبيض عن قرار تخفيف القيود الأمنية المفروضة على تصدير أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة إلى الخليج، وتحديدًا إلى الإمارات والسعودية، في وقت لم يُفصح فيه أي منهما عن علاقاتهما المالية الوثيقة مع الدائرة الأمنية الإماراتية. هذه العلاقات تتقاطع بشكل مباشر مع الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني الإماراتي، وأحد أكثر الشخصيات نفوذًا في بنية الحكم والاقتصاد والأمن في أبو ظبي.
الملف يزداد خطورة مع انكشاف استثمار ضخم بقيمة ملياري دولار مرتبط بشركات تابعة للشيخ طحنون، وُجّه إلى عملة رقمية مرتبطة مباشرة بدائرة ترامب، ما يطرح تساؤلات خطيرة حول ما إذا كانت قرارات سياسية عليا في واشنطن قد استُخدمت لخدمة صفقات مالية خاصة. في هذا السياق، تتقاطع المصالح بشكل فاضح حين يتبيّن أن ستيف ويتكوف كان يدفع باتجاه بيع الرقائق المتقدمة للإمارات في الوقت نفسه الذي أعلنت فيه شركة عملات رقمية يديرها نجله، بالشراكة مع أبناء ترامب، تلقيها استثمارًا إماراتيًا ضخمًا مصدره إحدى شركات الشيخ طحنون.
أما ديفيد ساكس، فلم يكن مجرد داعم عابر لهذه الصفقات، بل كان الصوت الأبرز داخل الإدارة الأميركية الذي يدافع عن فتح سوق الخليج أمام صادرات الذكاء الاصطناعي الأميركي. وتزداد الشبهات حين يظهر أن صندوق الثروة السيادي الإماراتي كان من أوائل المستثمرين في شركة “كرافت فنتشرز” التي ساكس في تأسيسها عام 2017، إلى جانب صندوق الاستثمارات العامة السعودي، ما يعني أن الرجل الذي صاغ التوجه الأميركي لتصدير تقنيات استراتيجية إلى الخليج كان في الوقت نفسه مرتبطًا ماليًا بالصناديق السيادية للدول المستفيدة من هذه القرارات.
في نوفمبر الماضي، ترجمت هذه الضغوط إلى قرار عملي حين وافقت إدارة ترامب على تصدير عشرات الآلاف من شرائح الذكاء الاصطناعي المتقدمة من شركة Nvidia إلى شركة G42 الإماراتية المملوكة للدولة، وكذلك إلى شركة Humain السعودية، وهي شركات تمثل الأذرع التقنية الرسمية للدولتين في سباق الذكاء الاصطناعي. هذه الرقائق لا تُعد مجرد مكوّنات تجارية، بل تُصنَّف كتكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، أي قابلة للتوظيف المدني والعسكري على حد سواء، ما يجعل تصديرها خاضعًا تقليديًا لأشد أنظمة الرقابة الأميركية.
وبحسب التحقيقات فإن هذه التقنيات تتيح تشغيل أنظمة مراقبة جماعية، وتحليل بيانات سكانية واسعة، وتطوير قدرات أمنية وعسكرية عالية الدقة، وهو ما يجعل تصديرها إلى أنظمة ذات سجل قمعي مسألة تتجاوز التجارة إلى تهديد مباشر لحقوق الإنسان والأمن الإقليمي.
التحفظات داخل واشنطن لم تكن تقنية فقط، بل جيوسياسية أيضًا. فعدد من المسؤولين الأميركيين عبّروا عن مخاوف جدية من احتمال إعادة تصدير هذه التقنيات إلى الصين أو تسريبها، بما يسمح بنسخها أو استخدامها في تطوير قدرات عسكرية وتكنولوجية منافسة للولايات المتحدة. هذه المخاوف كانت سببًا رئيسيًا في فشل محاولات سابقة للإمارات والسعودية لشراء هذه الرقائق خلال إدارة جو بايدن، التي تمسكت بقيود تصدير أكثر صرامة.
في المقابل، اختارت إدارة ترامب مسارًا معاكسًا، واضعة أولوية واضحة للمبيعات والأرباح، ومتعاملة مع الخليج كسوق مثالي بفضل وفرة الأراضي ورخص الطاقة، ما يجعله بيئة مثالية لإنشاء مراكز بيانات عملاقة تعتمد على الذكاء الاصطناعي. هذا التوجه لم يتوقف عند الخليج، بل امتد إلى الصين نفسها، إذ وافق البيت الأبيض على تصدير رقائق H200 من Nvidia إلى بكين، في صفقة تحصل الحكومة الأميركية بموجبها على نسبة من العائدات، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا إضافيًا على تغليب المنطق التجاري على التحفظات الأمنية.
ما يتكشف هنا ليس مجرد خلل إداري أو سوء تقدير، بل نمط حكم يُدار بمنطق الصفقات، حيث تتقاطع قرارات الأمن القومي مع استثمارات خاصة، وتُستخدم مواقع السلطة لتسهيل تدفق المليارات من أنظمة استبدادية إلى دوائر الحكم في واشنطن. الإمارات، في هذا المشهد، لا تظهر كحليف تقني فقط، بل كلاعب يستخدم المال والنفوذ لفتح أبواب التكنولوجيا الحساسة، بينما تجد في إدارة ترامب بيئة سياسية مستعدة لغض الطرف، بل وتسهيل الطريق.
هذه الوقائع تضع علامات استفهام ثقيلة حول نزاهة عملية صنع القرار في الولايات المتحدة خلال تلك المرحلة، وحول مدى اختراق المصالح الإماراتية والسعودية لأعلى مستويات السلطة الأميركية. كما تعكس كيف يُعاد تعريف “الأمن القومي” حين يتحول إلى بند ثانوي أمام تدفقات الاستثمارات، وحين تُدار السياسة الخارجية باعتبارها امتدادًا لمشاريع شخصية وشبكات مالية عابرة للحدود، لا باعتبارها مسؤولية عامة تحكمها معايير الشفافية والمساءلة.