أثارت أوامر فتح تحقيقات موسعة مع طلاب متظاهرين في جامعة كولومبيا الأمريكية ردود فعل غاضبة داخل وزارة العدل وأوساط قانونية، بعد أن كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن مسؤولاً كبيراً، عيّنه الرئيس دونالد ترامب، استخدم سلطته لمتابعة طلاب احتجوا على سلوك إسرائيل في غزة.
التحقيق الذي جاء بتوجيه من إميل بوف الثالث، وبتبريراته المثيرة للجدل حول “معاداة السامية”، اعتُبر من قبل مسؤولين قانونيين “ذا دوافع سياسية” و”من دون أساس قانوني”، ما أثار قلقاً من انحراف وزارة العدل عن حيادها، وانخراطها في حملة قمع سياسي تستهدف الحراك الطلابي المؤيد لفلسطين.
تحقيقات تحت المجهر: ترهيب بغطاء “العدالة”
بدأت القصة أواخر فبراير الماضي حين اقتحم متظاهرون من طلاب كولومبيا قاعة دراسية احتجاجاً على طرد زملائهم بعد محاضرة عن “تاريخ إسرائيل الحديث”.
ورداً على ذلك، أمر بوف، وهو مسؤول بارز في وزارة العدل، بفتح تحقيق جنائي عاجل، مستهدفاً جماعة طلابية معروفة بمواقفها المؤيدة للفلسطينيين، وهي “جامعة كولومبيا لسحب الاستثمارات من نظام الفصل العنصري” (C.U.A.D).
طلب بوف من المحققين جمع قائمة بأسماء أعضاء المجموعة وملاحقة نشاطهم على وسائل التواصل، لكن المحققين والمدعين رفضوا تلك التعليمات باعتبارها انتهاكاً صارخاً للتعديل الأول من الدستور الأمريكي الذي يضمن حرية التعبير والتنظيم.
وفي وقت لاحق، سعى بوف للحصول على إذن قضائي لتفتيش حسابات المجموعة على “إنستغرام”، زاعماً أنها استخدمت لنشر “تهديدات”.
لكن القضاء رفض طلبه مرتين، معتبرًا أن المزاعم لا ترتقي لمستوى التهديد القانوني، كما أمر القاضي بضرورة الكشف عن المداولات السرية إذا أعيد تقديم الطلب مرة أخرى.
هذه الخطوة، التي وُصفت بالمهينة لبوف وفريقه، كشفت تزايد القلق من استخدام الأجهزة القضائية الفيدرالية كأداة لترهيب المعارضين السياسيين.
انقسامات داخل الوزارة وهجرة المحامين
التحقيق لم يقتصر على مجرد إجراء إداري روتيني، بل كشف عن انقسام داخلي عميق داخل وزارة العدل بين المحامين المحترفين من جهة، والمعينين السياسيين الموالين لترامب من جهة أخرى.
العديد من محامي قسم الحقوق المدنية أبدوا امتعاضهم مما وصفوه بـ”استغلال أدوات الدولة لإسكات الاحتجاج الطلابي”، معتبرين أن دوافع بوف تتجاوز حدود العمل القضائي إلى استخدام الترهيب السياسي الممنهج.
وتفيد التقارير أن بعض المحامين غادروا القسم احتجاجاً على الضغوط السياسية المتزايدة، فيما لجأ آخرون إلى التكتل والتصعيد الداخلي، محاولين صد محاولات بوف المتكررة لدفعهم نحو ممارسات يعتبرونها غير أخلاقية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك، محاولة بوف توجيه محققي مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) لارتداء سترات المداهمة واستعراض القوة داخل حرم كولومبيا، في مشهد كاد يتحول إلى عرض بوليسي داخل جامعة مدنية، لكن المكتب رفض تنفيذ التعليمات.
ترمب والمعركة ضد الحراك الطلابي: خطاب الحملة يصبح سياسة
يبدو أن حملة القمع لم تكن معزولة، بل جزءاً من أجندة أوسع تبنّتها إدارة ترامب منذ عودته إلى المشهد السياسي. فقد كان وعد ترامب في حملته الانتخابية بإخماد ما أسماه “الفوضى الجامعية” ومعاقبة من وصفهم بـ”المعادين للسامية” وفور توليه السلطة بدأ حملة قمع ممنهجة ضد النشطاء الفلسطينيين.
لكن بدلاً من مواجهة خطاب الكراهية الحقيقي، اتجهت وزارة العدل إلى استهداف أصوات طلابية تحتج على القصف الإسرائيلي في غزة، وتطالب بانسحاب الجامعات من استثماراتها في الشركات الداعمة للاحتلال الإسرائيلي.
نائب المدعي العام، تود بلانش، دافع عن التحقيقات بشدة، مدعياً أنها تستند إلى استخدام الطلاب لشعارات “ترمز للعنف” مثل المثلث المقلوب، المستخدم من قبل “حماس”. لكن محامين ومراقبين يرون في ذلك محاولة لتأطير الحراك الطلابي ضمن “مكافحة الإرهاب”، لتبرير قمعه قانونياً.
ويخشى كثيرون من أن يتحول أي نشاط طلابي ناقد لسياسات إسرائيل أو داعم للفلسطينيين إلى تهمة فيدرالية، مستغلين الفوضى القانونية والإعلامية المحيطة بمفهوم “معاداة السامية”.
قضاة يواجهون الانحراف.. لكن إلى متى؟
المثير أن القضاء الفيدرالي نفسه بدا منقسماً أيضاً، فقد رفض قضاة اتحاديون تبريرات وزارة العدل مرتين، وطلبوا من الحكومة الكف عن تكرار المحاولات ما لم تُقدم أدلة جديدة وجدية.
لكن تبقى السلطة التنفيذية قادرة على الالتفاف على هذه القرارات عبر إعادة تدوير الاتهامات أو تحويلها إلى أجهزة أمنية أخرى مثل الهجرة والجمارك، وهو ما يخشاه ناشطون ومحامون.
الأخطر أن التحقيقات شملت أيضاً تهديدات بترحيل طلاب أجانب شاركوا في الاحتجاجات، وهو ما يثير قلقاً حقيقياً من تحوّل الجامعات الأمريكية، خصوصاً النخبوية منها، إلى ساحات صراع أيديولوجي تتحكم فيه الأجهزة الأمنية والقرارات السياسية، بدلاً من أن تظل فضاءات حرية وتعبير.
تهديد ممنهج للحق في الاحتجاج
قضية جامعة كولومبيا ليست مجرد خلاف قانوني، بل تعكس تحولاً خطيراً في طبيعة السلطة التنفيذية الأمريكية، حين تُسخّر أجهزة إنفاذ القانون لقمع حراك طلابي سلمي.
وبينما تسوّق إدارة ترامب خطواتها بوصفها “حرباً على معاداة السامية”، يرى كثيرون أن ما يجري هو قمع ممنهج لكل من يعارض السياسات الإسرائيلية أو يدافع عن حقوق الفلسطينيين.
ومع استمرار هذا المسار، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل يستطيع القضاء الاستمرار في مواجهة هذا الانحراف؟ وهل سيصمد الطلاب والناشطون أمام الترهيب السياسي؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد شكل الديمقراطية الأمريكية في السنوات القادمة.
اقرأ أيضًا : طبيب أمريكي: غزة تحولت إلى “هيروشيما جديدة”
