في رسالة صادمة نشرتها مجلة “نيويوركر”، روى طبيب الطوارئ الأمريكي كلايتون دالتون شهادته المباشرة عن الأوضاع في قطاع غزة، بعد زيارته ضمن بعثة طبية.
وصف دالتون غزة بأنها تشبه “هيروشيما بعد القنبلة النووية”، مشددًا على أن الدمار لم يترك حجرًا على حجر، وأن القطاع الصحي دُمّر بشكل شبه كامل نتيجة استهداف المستشفيات بشكل ممنهج.
ومع تدهور البنية التحتية ونفاد الموارد الطبية، أصبحت حياة الآلاف من الجرحى عرضة للضياع، في مشهد يتحدى كل معايير الإنسانية والقانون الدولي.
![]()
دمار ممنهج ومعاناة إنسانية تفوق الوصف
خلال جولته الميدانية، شاهد دالتون مستشفيات مدمرة بالكامل مثل مستشفى الشفاء ومستشفى كمال عدوان والمستشفى الإندونيسي. أوضح أن الهجمات لم تستثنِ حتى وحدات العناية المركزة أو أقسام الأطفال حديثي الولادة.
المستشفيات التي صممت لاستقبال مئات المرضى أصبحت مضطرة لاستيعاب آلاف المصابين يوميًا دون كهرباء أو أدوية أو أدوات جراحية كافية.
من المشاهد المؤثرة التي وثقها الطبيب، كانت عمليات بتر الأطراف تتم بدون مسكنات، والرضع يُعالجون دون توفر أجهزة قياس السكر البسيطة. ووفق إفادات العاملين في الطواقم الطبية، فإن القناصة الإسرائيليين استهدفوا الأطباء أنفسهم أثناء محاولتهم إنقاذ الجرحى.
وأضاف دالتون أن أكثر من 60 ألف شخص أجريت لهم عمليات تثبيت خارجي للعظام في غزة، كثير منهم سيضطر للانتظار لسنوات لإجراء جراحات تصحيحية، إذا كُتب لهم البقاء أصلًا.
استهداف المستشفيات بذريعة “مكافحة الإرهاب”
وفق شهادة دالتون، دمر الجيش الإسرائيلي معظم المستشفيات بزعم استخدامها من قبل حماس “كمراكز قيادة إرهابية”، دون تقديم أدلة ملموسة للمؤسسات الدولية أو الإعلام. في المقابل، تصر حركة حماس على نفي هذه الادعاءات.
وأشار الطبيب الأمريكي إلى أن هذه التبريرات لا يمكن أن تبرر حجم الدمار الممنهج للبنية الصحية. ففي مستشفى كمال عدوان، مثلا، عُثر على حاضنات أطفال محطمة، وأجهزة طبية أُطلقت عليها الرصاص عمدًا، وفق توثيق الفريق الطبي.
وفي حادثة أخرى، وثقت عدسات الصحافة إطلاق الجيش الإسرائيلي النار على قوافل الإغاثة وسيارات الإسعاف، ما أسفر عن مقتل 15 عامل إغاثة، رغم وضوح العلامات الطبية على المركبات.
آثار كارثية لا تمحى.. وأمل لا يموت
أكد دالتون أن قطاع غزة يشهد كارثة إنسانية متفاقمة، مع ارتفاع أعداد الشهداء إلى أكثر من 55 ألفًا. الأحياء السكنية تحولت إلى خرائب، والطرقات أصبحت مقابر جماعية.
ورغم توقيع اتفاقات وقف إطلاق نار مؤقتة، إلا أن الهجمات عادت لتضرب خان يونس وغزة مجددًا، لتعيد شلال الدماء وسط نقص حاد في المساعدات الإنسانية.
ومع كل هذا، كان المشهد الأكثر تأثيرًا بالنسبة للطبيب الأمريكي مشاهد الأطفال يلعبون بين الأنقاض، وابتسامات سكان غزة الذين يتمسكون بالحياة رغم الفظائع.
يروي دالتون كيف حمل صبي فلسطيني ذراعيه وراح يتأرجح ضاحكًا بين أنقاض مدرسة مهجورة، وكأنما يصر على إعلان الحياة وسط الموت.
شهادة تدين العالم الصامت
يختم دالتون رسالته بتساؤل موجع: “كيف يسمح العالم بحدوث ذلك؟”. شهادته توثق ليس فقط المأساة الفلسطينية، بل أيضًا عار الصمت الدولي. فما يحدث في غزة، من استهداف للمستشفيات وقتل للمدنيين، بحسب المعاهدات الدولية، يرقى إلى جرائم حرب مكتملة الأركان. إلا أن يد المحاسبة ما تزال غائبة.
في نهاية المطاف، يرى الطبيب أن إعادة بناء غزة قد يستغرق عقودًا طويلة، ولكن جراح الروح والجسد قد لا تندمل أبدًا. وبينما تتساقط القنابل، يظل أبناء غزة يرفعون راية الأمل في وجه عالم أصمّ وأبكم عن معاناتهم.
اقرأ أيضًا : غزة.. الاحتلال يواصل جرائمه ويدفع السكان للنزوح القسري