في واقعة جديدة تكشف حجم الإجرام المنهجي الذي يمارسه جيش الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، كشف مركز “بتسيلم” الحقوقي الإسرائيلي، في تحقيق موسع، تفاصيل صادمة حول إعدام ميداني نفذته قوات الاحتلال بحق الأخوين نضال وخالد عميرة خلال مداهمة استمرت نحو 30 ساعة في البلدة القديمة بمدينة نابلس. التحقيق المدعّم بفيديوهات وتحليل جنائي مفصّل، يظهر بوضوح أن الجنود أطلقوا النار على الأخوين بعد الاعتداء عليهما، ومنعا الطواقم الطبية من تقديم الإسعاف لهما، ما أدى إلى وفاتهما.

وتسلط هذه الحادثة الضوء على نمط متكرر من القتل العمد خارج إطار القانون الذي تنفذه قوات الاحتلال ضد الفلسطينيين، في ظل سياسة ميدانية قائمة على الإفلات من العقاب وعلى تسهيل قتل المدنيين بزعم “الاشتباه”.

مداهمة عنيفة واعتقالات واسعة منذ منتصف الليل

فجر الثلاثاء 10 حزيران/يونيو، اقتحمت قوات الاحتلال—بمشاركة الجيش وحرس الحدود وجهاز الشاباك—منطقة البلدة القديمة في نابلس، وسط انتشار كثيف للقناصة والجنود في الأزقة والبيوت. وبحسب بتسيلم، بدأ الجنود باقتحام منازل عشوائيا واعتقال عشرات الفلسطينيين واستجوابهم ميدانيًا، ما دفع السكان إلى مغادرة الحي في ساعات الصباح خوفاً على حياتهم بعد تكرار حوادث قتل المدنيين خلال الاقتحامات السابقة.

ومع حلول الصباح، وصلت طواقم إسعاف وصحفيون إلى الحيّ لمساعدة عائلة قطب التي حاولت المغادرة. وفي أثناء ذلك، أوقف الجنود أربعة شبان من العائلة في زقاق جانبي، بينما بقي المسعفون والصحفيون عند مدخل الشارع يوثقون ما يجري.

نضال وخالد.. وصول إنساني انتهى بالإعدام

كان نضال عميرة (40 عاماً)—وهو ضابط سابق في أجهزة الأمن الفلسطينية—قد وصل إلى المنطقة لمساعدة عائلة أخرى كانت تريد مغادرة الحي. التحقيق يؤكد أنه لم يكن في مهمة رسمية ولم يكن مسلّحاً.
وتُظهر اللقطات المصوّرة تقدّمه نحو الجنود ببطء ويداه مرفوعتان، مرتدياً قميصاً أبيض، واستجاب لطلبهم برفع قميصه لإثبات أنه لا يحمل شيئاً. وتفيد شهادات بأن أحد الجنود طلب منه خلع سرواله، لكنه رفض ذلك الطلب المهين.

ورغم وضوح عدم تشكيله أي خطر، هجم عليه ثلاثة جنود دفعة واحدة وانهالوا عليه بالضرب، في مشهد موثّق بالصوت والصورة.

في هذه اللحظة، حاول خالد عميرة (35 عاماً)—الذي ارتدى أيضاً قميصاً أبيض—الاقتراب برفقة المسعفين لمحاولة تهدئة الموقف. لكن الجنود صوبوا أسلحتهم نحوه، قبل أن تُطلق ست رصاصات: إحداها أصابت الأرض قرب قدميه، وأخرى أصابت الجدار، بينما أصابت شظايا أحد المسعفين ومصورًا.

الاعتداء الوحشي يتحول إلى إعدام ميداني

واصل الجنود ضرب نضال بعنف شديد بينما كان يحاول حماية نفسه. في الوقت نفسه، جرى الإمساك بخالد وسحبه إلى زقاق مجاور حيث كان الشبان الأربعة محتجزين. حاول الجنود طرح خالد أرضاً، وظهر أحدهم وهو يحاول خنقه، ثم سُمعت طلقتان من داخل الزقاق.

بعد لحظات، جرى سحب نضال إلى مدخل الزقاق، ورافق ذلك وابل كثيف من الرصاص أثار غباراً كثيفاً وغطى الكاميرا، لتبيّن لاحقاً أن نضال أصيب في رجله أولاً، ثم حاول الابتعاد وهو يعرج، لكنه حوصر بين جنود كانوا يقفون في الطريق.
التحليل الجنائي الذي أجراه بتسيلم أكد أن جندياً كان يقف على مسافة قصيرة أطلق النار على ظهر نضال مباشرة فأرداه أرضاً، رغم أنه كان مصاباً ولا يشكل أي تهديد.

التحقيق يكشف أيضاً أن الجندي نفسه تقدم نحو المكان الذي كان فيه جندي آخر يُثبت خالد على الأرض، وقام بـإعدامه برصاصة مباشرة في الرأس من مسافة صفر، وهو مثبت على الأرض وغير قادر على الحركة.

منع الإسعاف.. القتل مرتين

ظلّ مسعفو الهلال الأحمر على بعد أمتار قليلة من مكان الحادثة، يحاولون التقدم لإنقاذ الأخوين. لكن الجنود هدّدوهم بالسلاح ومنعوهم من الاقتراب. وتظهر التوثيقات أن نضال كان لا يزال حيًّا بعد إصابته، وكان من الممكن إنقاذه لو لم يُمنع العلاج عنه عمداً.

هذه الممارسة—أي منع تقديم الإسعاف—تُعد وفق القانون الدولي جريمة حرب إضافية، وتكررت مئات المرات خلال اقتحامات الاحتلال في الضفة الغربية منذ بداية 2023.

اعتداءات واحتجاز مهين بحق عائلة قطب

بعد إبعاد المصورين والمسعفين، اعتدى الجنود على الشبان الأربعة من عائلة قطب، ووجّهوا فوهات البنادق نحو رؤوسهم، وحطموا هواتفهم وكبلوا أيديهم وغطوا رؤوسهم. ثم نُقلوا إلى دكان مجاور وظلوا محتجزين فيه حتى الساعة الخامسة مساءً قبل الإفراج عنهم.
وأسفرت الاعتداءات عن كسور في الأضلاع لدى اثنين منهم.

رواية الجيش.. محاولة فاشلة للتغطية

زعم جيش الاحتلال في بيانه أن الأخوين “حاولا خطف سلاح أحد الجنود”، وهو ما أدى لإطلاق النار عليهما. لكن:

  • الفيديوهات المصوّرة

  • التحليل الجنائي

  • شهادات الشهود

جميعها تنسف هذه الرواية بالكامل، وتؤكد أن ما جرى هو عملية إعدام ميداني مكتملة الأركان، وأن الأخوين لم يكونا يحملان أي سلاح ولم يبادرَا بأي اعتداء.

إجرام الاحتلال.. سياسة لا حادثة معزولة

القضية ليست “خطأً فردياً” كما يدّعي الاحتلال في كل مرة، بل هي جزء من سياسة ثابتة تقوم على:

  • إطلاق النار على مدنيين غير مسلحين

  • تنفيذ إعدامات ميدانية

  • منع الإسعاف

  • تزوير الرواية الرسمية بعد كل جريمة

وتؤكد منظمات حقوقية، بينها بتسيلم والعفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، أن قوات الاحتلال تنفذ بشكل ممنهج “سياسة قتل خارج القانون” وتشجع الجنود على إطلاق النار بداعي الشبهة.

اقرأ أيضًا : مشعل يحدد معادلة غزة: سلطة فلسطينية بلا نزع سلاح