في لحظة سياسية معقدة تتقاطع فيها ضغوط الحرب مع حسابات ما بعد وقف إطلاق النار، خرج رئيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الخارج خالد مشعل ليضع ملامح رؤية الحركة لمستقبل غزة، مؤكداً أن النقاش حول “اليوم التالي” لا يمكن أن يكون بمعزل عن ثوابت المقاومة ولا عن الواقع السياسي الذي فرضه صمود غزة خلال عام كامل من العدوان.
مشعل شدد في مقابلة مع شبكة الجزيرة على أن الحركة تقدم “مقاربات واقعية وعملية” لضمان عدم تعرض الاحتلال لهجوم جديد من القطاع من دون القبول بفكرة نزع السلاح، التي اعتبرها “نزعاً للروح” بالنسبة للفلسطيني.

سلطة فلسطينية.. لا وصاية أجنبية
أوضح مشعل أن حماس لا تتعامل مع مستقبل الحكم في غزة كغنيمة سياسية، بل كقضية سيادية يقررها الشعب الفلسطيني وحده، قائلاً إن “السلطة في غزة ينبغي أن تكون فلسطينية، والفلسطيني هو من يقرر وهو من يحكم”. هذا الموقف يعكس رفضاً واضحاً لمشاريع الإدارة الدولية أو الوصاية الإسرائيلية ـ الأمريكية التي تُطرح في بعض الأروقة، والتي تهدف لإقصاء المقاومة من المشهد تحت ذريعة “إعادة الإعمار” أو “الاستقرار”.
وبحسب مشعل، فإن الخطر الحقيقي ليس في غزة التي يطالبون بنزع سلاحها، بل في الاحتلال نفسه، الذي يواصل الاعتداءات في الضفة والقدس، ويحاصر القطاع منذ أكثر من 17 عاماً، ويرفض تنفيذ أبسط شروط التهدئة.
من “نزع السلاح” إلى “إعادة الإعمار”: معادلة المقاومة الجديدة
القيادي الفلسطيني أكد أن المقاومة تطرح حلولاً “واقعية” تنهي القتال وتضمن الأمن المتبادل، لكنها لن تقبل بنزع سلاحها. بل اعتبر مشعل أن السلاح هو الذي يحمي غزة، وأن التخلي عنه “يوازي نزع الروح من الجسد”. وقال إن حماس أبلغت الوسطاء بأن المطلوب في المرحلة المقبلة ليس تجريد المقاومة من أدوات قوتها، بل مساعدة غزة على التعافي والعودة للحياة.
هذا الموقف ينسجم مع ما عبّر عنه قادة آخرون في الحركة، حيث أكد القيادي حسام بدران أن تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار مرهون بـ وقف الخروقات الإسرائيلية بالكامل وضمان دخول المساعدات الإنسانية بكميات كافية، مشيراً إلى أن الاحتلال لم يلتزم حتى بتعهدات المرحلة الأولى، سواء في إدخال المساعدات أو وقف العمليات العسكرية.
المرحلة الأولى: التزامات ناقصة وضغط متواصل
المعطيات التي عرضها بدران تظهر فجوة واسعة بين ما تم الاتفاق عليه وما يجري على الأرض. فمن أصل 48 أسيراً كان يفترض الإفراج عنهم، أطلقت حماس 47 فقط بسبب وفاة أحد الأسرى قبل بدء المرحلة. في المقابل، أفرج الاحتلال عن مئات المعتقلين الفلسطينيين لكنه واصل عمليات الاقتحام في الضفة، ومنع المساعدات من الوصول إلى مناطق واسعة في شمال القطاع.
الاتفاق ينصّ أساساً على إدخال 400 إلى 600 شاحنة يومياً وفتح معبر رفح بشكل كامل، وهو ما لم يتحقق. ولذلك ترى حماس، وفق بدران، أن الانتقال للمرحلة الثانية يتطلب ضغطاً أمريكياً واضحاً على الاحتلال لضمان التنفيذ الفعلي للمرحلة الأولى قبل البدء في أي نقاش جديد.
المرحلة الثانية: صراع السلاح والشرعية
المرحلة الثانية من الاتفاق، كما صيغت في الرؤية الأمريكية، تتضمن انسحاب الاحتلال من مواقع واسعة داخل القطاع، وتشكيل سلطة انتقالية مع انتشار قوة استقرار دولية. غير أن هذه المرحلة تصطدم بعقدة مركزية: سلاح حماس.
دونالد ترامب، الذي عاد بقوة للتأثير على الملف، يدفع باتجاه الانتقال السريع للمرحلة الثانية، لكن الاحتلال يصرّ على أن “نزع السلاح” هو شرط البداية لا النهاية. أما المقاومة، فترفض ذلك تماماً، مؤكدة أن السلاح ليس بنداً تفاوضياً إلا في إطار حل سياسي شامل يقود إلى دولة فلسطينية مستقلة، تنتقل إليها مسؤولية السلاح ضمن اتفاق وطني جامع، لا تحت ضغط الاحتلال ولا تحت وصاية خارجية.
ثبات المقاومة.. واستعادة القضية لمركزيتها
في قراءته للمشهد الإقليمي، قال مشعل إن غزة قدمت “كل ما عليها”، وإن الوقت قد حان لتتعافى وتعيد الحياة إلى شوارعها وبقايا مؤسساتها المدمرة. لكنه شدد في الوقت ذاته على أن صمود المقاومة وإصرارها على ثوابتها هو الذي أعاد القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث، بعد سنوات طويلة من التهميش.
ووفق مشعل، فإن الحرب ـ رغم كلفتها الكارثية ـ أعادت “روح القضية” إلى الشعوب والحكومات، وفرضت على الجميع الاعتراف بأن أي ترتيبات سياسية في المنطقة لن تنجح دون حل جذري للقضية الفلسطينية، ودون الاعتراف بدور المقاومة كفاعل مركزي لا يمكن تجاوزه.
خلاصة تحليلية
تصريحات مشعل وبدران تكشف أن حماس تدخل مفاوضات “اليوم التالي” بثبات سياسي لا يقل عن ثباتها الميداني. فهي تقبل بحلول انتقالية، وتطرح أفكاراً لوقف الحرب وإعادة الإعمار، لكنها تضع خطاً أحمر واضحاً: لا مساس بسلاح المقاومة، ولا وصاية على غزة، ولا انتقال للمرحلة الثانية دون التزام كامل من الاحتلال بما تم الاتفاق عليه في المرحلة الأولى.
ومع استمرار الضغوط الأمريكية والأوروبية، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الوسطاء على إلزام الاحتلال بتعهداته، ولقدرة المقاومة على تحويل صمودها العسكري إلى مكاسب سياسية تعيد بناء غزة من دون التفريط بثوابتها الوطنية.
اقرأ أيضًا : السعودية تسمح بشراء الكحول لأصحاب الدخل المرتفع من الأجانب… خطوة جديدة في مسار “تفكيك الهوية العربية”