في مشهد يعيد إلى الأذهان مأساة “مافي مرمرة”، عادت المخاوف مجددًا لتحلق فوق مياه البحر المتوسط مع تحليق طائرات مسيرة مجهولة المصدر، يُعتقد أنها إسرائيلية، فوق سفينة “مادلين” التي تبحر في مهمة إنسانية لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة.
وبينما تتصاعد التهديدات، تتجدد التساؤلات حول دور المجتمع الدولي، وتحديدًا الدول العربية، في حماية المدنيين والمتضامنين من إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل.
![]()
تهديدات جوية وبحرية تحاصر “مادلين”
أعلنت البرلمانية الفرنسية من أصل سوري ريما حسن، وهي إحدى الشخصيات المتضامنة على متن السفينة، أن طائرات بدون طيار بدأت تحلق فوق “مادلين” مساء الثلاثاء، ما أثار ذعرًا بين النشطاء الـ12 المتواجدين على متنها. وقالت في مقابلة تلفزيونية إنهم يتأهبون لاحتمالات خطيرة، منها قصف مباشر بالطائرات المسيّرة، أو تفجير من تحت سطح الماء بواسطة غواصات، أو عملية اختطاف عسكرية من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.
ورغم إدراكهم للمخاطر المحدقة، عبّرت ريما حسن عن تصميمها ورفاقها على إتمام الرحلة، مؤكدة أن ما يواجهونه “خطير” لكنّه لا يوازي ما يتعرض له الفلسطينيون المحاصرون منذ عقود من القمع، لا منذ السابع من أكتوبر فقط.
وتنطلق رحلة السفينة “مادلين” من جزيرة صقلية الإيطالية، وهي تحمل مساعدات إنسانية وركابًا ينتمون إلى تحالف أسطول الحرية، في محاولة جديدة لكسر الحصار البحري الإسرائيلي الذي يخنق أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة. وكانت مهمة سابقة تعرضت للفشل مطلع مايو/أيار الماضي بعد أن قصفت إسرائيل سفينة أخرى بطائرتين مسيرتين قرب سواحل مالطا، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وحرية الملاحة.
“مادلين”.. سفينة السلام التي تلاحقها نيران الحرب
يحمل اسم “مادلين” دلالة رمزية، فهو يعود إلى أول صيادة فلسطينية واجهت الحصار البحري الإسرائيلي بشجاعة في العام 2014، ويمثل اليوم إرثًا نضاليًا جديدًا لسفن “أسطول الحرية”، وعلى رأسها السفينة التركية “مافي مرمرة” التي تعرضت لهجوم دموي عام 2010، أسفر عن استشهاد عشرة نشطاء، معظمهم من الأتراك.
ويرى القائمون على المهمة أن هذه المبادرة امتداد مباشر لتلك المسيرة الإنسانية، وصرخة في وجه التخاذل الدولي. وقد أكد ائتلاف أسطول الحرية أن جميع المشاركين في الرحلة مدربون على اللاعنف، ولا يحملون سوى قناعاتهم بالحق، وإيمانهم بأن الفلسطينيين يستحقون حياة حرة وكريمة كبقية شعوب العالم.
وأضاف بيان التحالف أن الإبحار في هذا الوقت الحرج فعل مقاومة سلمية، ورسالة واضحة برفض الحصار، والإبادة البطيئة التي تمارسها إسرائيل في ظل تواطؤ غربي وصمت عربي.
إرهاب الاحتلال في عرض البحر.. والعرب في سبات عميق
السفينة “مادلين” ليست مجرد قارب يحمل مساعدات، بل باتت رمزًا لمعركة أخلاقية في وجه الإجرام الإسرائيلي. فتهديد المدنيين والنشطاء الدوليين، ومن بينهم نواب أوروبيون وشخصيات حقوقية، يعكس حجم الجرأة الإسرائيلية في استخدام القوة ضد كل من يحاول إغاثة غزة، حتى لو كان أعزلًا، أو ينتمي إلى دول يفترض أنها حليفة لتل أبيب.
ولكن الأخطر من تحليق المسيّرات هو الصمت العربي المريب، فلا دولة عربية واحدة، بما فيها تلك التي تصف نفسها بـ”الشقيقة الكبرى”، خرجت لتُدين هذا التهديد أو لتطالب بحماية السفينة ومَن على متنها. غابت البيانات الرسمية، وتوارى السفراء، وسكتت المؤسسات، في مشهد يُثبت أن غزة تُترك وحدها مرة تلو الأخرى، حتى في معاركها الإنسانية البسيطة.
في المقابل، اكتفى الغرب بإبداء القلق، بينما أطلقت أصوات قليلة مثل صوت ريما حسن ومبادرات فردية إنسانية لتحمل ما عجزت عنه جيوش بأكملها. لقد تحولت سفينة صغيرة إلى مرآة كبيرة تعكس فشل النظام الدولي، وتواطؤ “الشرعية الدولية” التي تُشهر القانون ضد الضعفاء وتمنحه للإسرائيليين ترخيصًا بالقتل والتجويع والحصار.
خاتمة: صرخة إنسانية في بحر الغدر
في النهاية، تظل “مادلين” تمخر عباب البحر، وسط رعب تحليق المسيّرات، ورهبة الغواصات التي قد تكون في طريقها إليها. لكن الأهم من ذلك أنها تمضي بإرادة لا تهزّها المخاوف، ومبادئ لا تردعها التهديدات.
إن تحليق الطائرات فوق السفينة هو تحليق فوق الضمير العالمي، إما أن يستفيق ليقف إلى جانب الحق، أو يواصل غفوته حتى يبتلع البحر كل ما تبقى من إنسانية. أما الحكومات العربية، فبصمتها تُشارك في الجريمة، وتموّلها بالصمت، وتخذل غزة من جديد، كما فعلت منذ اليوم الأول.
وإذا كانت إسرائيل اليوم تلاحق سفينة صغيرة فوق البحر، فإنها تكشف بذلك عن خوف حقيقي من أي كسر لحصارها، ولو كان رمزيًا، لأنها تدرك أن كل بوصة حرية تُنتزع من قبضتها، هي هزيمة لسياساتها القمعية، وتذكير بأن الشعب الفلسطيني ليس وحده.. طالما ظل في البحر من يرفع رايته.
اقرأ أيضًا : مساعدات تحت النار.. الاحتلال يرتكب مجزرة جديدة برفح بحق فلسطينيين جوعى