لم تكن المجزرة التي وقعت غرب رفح صباح الثلاثاء سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، الذين باتوا محاصرين بين شبح الجوع وصواريخ القتل.
في مشهد يثير الرعب والحزن معًا، استشهد 27 فلسطينيًا وأصيب أكثر من 90 آخرين خلال انتظارهم في طابور المساعدات التي توزعها مؤسسة مدعومة أميركيًا، في وقت يواصل فيه جيش الاحتلال قصفه واستهدافه لنقاط توزيع الغذاء.
وتتزامن هذه المجازر مع مزاعم إسرائيلية بـ”حماية” أمن قواتها، فيما تشير شهادات محلية وميدانية إلى أن ما يحدث على الأرض ليس إلا كمائن موت جماعي تُنصب تحت غطاء “المساعدات الإنسانية”، وتحمل توقيعًا واضحًا لمنظومة القتل الإسرائيلي.
![]()
القتل في طوابير الجوع: تحويل المساعدات إلى أدوات إبادة
أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أن حصيلة ضحايا استهداف نقاط المساعدات في الأيام الثلاثة الماضية فقط بلغت 75 شهيدًا و400 مصاب، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن.
وفقًا لما نقلته قناة الأقصى، فإن مجزرة الثلاثاء وقعت عندما قصفت طائرات الاحتلال منطقة غربي رفح، بالتزامن مع إطلاق نار مكثف من القوات الإسرائيلية على الحشود التي تجمعت للحصول على طرود غذائية، ما أدى إلى ارتقاء 27 شهيدًا وسقوط عشرات الجرحى.
الجيش الإسرائيلي لم ينف الحادث، بل زعم في بيان له أنه “أطلق النار على أفراد اقتربوا من القوات لمسافة نصف كيلومتر” وادعى أنهم كانوا يشكلون خطرًا عليه، وهو تبرير بات مألوفًا يستخدمه الاحتلال لتبرير استهداف أي تجمع فلسطيني مدني.
لكن هذه المبررات الرسمية لم تصمد أمام سيل الشهادات والصور والفيديوهات المنتشرة على منصات التواصل، والتي أظهرت استهدافًا مباشرًا ووحشيًا لمدنيين عزل يبحثون عن ما يسد رمقهم، لا عن مواجهات أو اشتباك.
شهادات وتحليلات: “مصايد القتل الجماعي” بتوقيع أميركي إسرائيلي
المجزرة لم تكن مفاجئة لمن يراقب نمط العمل الإسرائيلي خلال الأسابيع الأخيرة. فقد حذّر المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، في تصريح خاص للجزيرة نت، من أن الاحتلال يحوّل مناطق توزيع الغذاء إلى “مصايد قتل جماعي”، تحت غطاء توزيع مساعدات تشرف عليها شركة أميركية – إسرائيلية خاصة، لا تنسق مع الأونروا أو أي جهة دولية.
الثوابتة وصف ما يحدث بـ”الابتزاز الإنساني المنظم”، مؤكدًا أن الاحتلال يستخدم المساعدات كورقة ضغط وقتل جماعي لتفكيك النسيج الاجتماعي الفلسطيني، ومنع الناس من البقاء في مناطقهم من خلال بث الخوف والرعب، حتى في اللحظة التي يبحثون فيها عن رغيف الخبز.
الرؤية ذاتها أكدها المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، والذي اتهم إسرائيل بتحويل آلية توزيع المساعدات إلى “أداة في منظومة الإبادة الجماعية”. وقال رئيسه رامي عبده إن المجازر المتكررة بحق الجوعى تمثل تطبيقًا عمليًا لما وصفه بـ”هندسة التجويع”، مشيرًا إلى أن إسرائيل تريد إيصال رسالة قاطعة للفلسطينيين: “من يرفض شروط الاحتلال لن يُمنع عنه الغذاء فقط، بل سيُقتل في طريقه إليه”.
وأعاد عبده التذكير بأن آلية توزيع المساعدات الجديدة التي بدأت في 27 مايو عبر مؤسسة “غزة الإنسانية” لا تعتمد أي قاعدة بيانات سكانية، ولا تراعي التوزيع العادل، ولا تنسق مع الأونروا، ما ساهم في خلق فوضى ميدانية تحوّلت سريعًا إلى مجازر دامية.
الصمت الدولي شريك في الجريمة
ما يحدث في غزة منذ أسابيع، وخاصة في مناطق توزيع المساعدات، لا يمكن فصله عن سياق الإبادة الجماعية المتواصلة، التي يُستخدم فيها الجوع والخبز والطعام كسلاح.
فحين تُستهدف طوابير الجوعى بقصف مباشر وبنيران قناصة وطائرات مُسيّرة، فإننا أمام نمط ممنهج من الجرائم، لا مجرد حوادث معزولة أو “أخطاء غير مقصودة” كما تحاول إسرائيل ترويجها.
اللافت أن كل هذه الجرائم تجري تحت أنظار المجتمع الدولي ومنظماته، التي تكتفي بالتعبير عن “القلق العميق” أو إصدار بيانات عامة لا تضع حدًا حقيقيًا لهذا القتل المنظم. ومع استمرار الدعم الأميركي العسكري والسياسي لإسرائيل، تبدو المساعدات الغذائية وكأنها “غطاء أخلاقي” يُستخدم لتبييض جرائم الإبادة وليس لإنقاذ الضحايا.
إن مجزرة رفح اليوم، وقبلها عشرات المجازر في النقاط ذاتها، تؤكد أن الاحتلال لا يكتفي بتجويع الفلسطينيين، بل يستهدفهم وهم يحاولون الحياة. وهي رسالة دموية بأن الجوع والرصاص في غزة وجهان لعملة واحدة… عملة اسمها الاحتلال.
اقرأ أيضًا : بن غفير يعلن حربًا على الأذان.. حماس تحذر من عنصرية الاحتلال وتصعيده الديني الخطير