في خطاب اتّسم بالتصعيد واللغة الفوقية، وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتقادات حادّة لأوروبا وحلف شمال الأطلسي خلال كلمته أمام المنتدى الاقتصادي العالمي، في مشهد أعاد إلى الأذهان أسلوب “البلطجة السياسية” الذي ميّز سنوات حكمه السابقة، حيث مزج بين التهديد والسخرية واستدعاء التاريخ لتكريس سردية التفوق الأميركي وابتزاز الحلفاء.

هجوم مباشر على أوروبا و”ناتو”
ترامب لم يكتفِ بتجديد انتقاداته التقليدية لحلف حلف شمال الأطلسي، بل ذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن “أموالنا تذهب إلى دول وجهات لا تُقدّر ما نفعله”، في اتهام صريح للأوروبيين بالاستفادة من المظلّة الأمنية الأميركية دون تحمّل أعبائها. الخطاب أعاد إنتاج منطق “ادفعوا أو اخرجوا”، الذي لطالما استخدمه ترامب للضغط على الحلفاء، متجاهلاً الطبيعة التشاركية للتحالف، ومتعاملًا مع العلاقات الدولية بعقلية التاجر لا رجل الدولة.
وفي لهجة استعلائية، قال ترامب للأوروبيين: “لولانا لكنتم تتحدثون الألمانية واليابانية”، في إشارة إلى نتائج الحرب العالمية الثانية، مستدعياً سردية إنقاذ أوروبا لتبرير الهيمنة الأميركية المعاصرة. هذا الخطاب لم يكن مجرد زلة لسان، بل يعكس رؤية ترى في التحالفات أدوات ابتزاز، وفي التاريخ رصيداً أخلاقياً لتبرير الإملاءات السياسية.
غرينلاند… نفي القوة لا يلغي الطمع
وفي ملف غرينلاند، الذي فجّر توترات مكتومة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، قال ترامب إنه لن يستخدم القوة للاستحواذ على الجزيرة، “لأنه ليس مضطراً لذلك”. التصريح، رغم نفيه استخدام القوة، حمل في طياته منطق الهيمنة ذاته: الاستحواذ حق مفترض، والقوة خيار مؤجل لا مرفوض.
هذا الموقف يعكس عقلية استعمارية محدثة، تُدار بلغة السوق والنفوذ بدل الجيوش، وتتعامل مع الجغرافيا باعتبارها صفقة محتملة. كما يكشف عن استخفاف ترامب بحساسية السيادة لدى الحلفاء الأوروبيين، خصوصاً الدنمارك، التي ترى في غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من كيانها السياسي.
غزة والمقاومة… منطق الإملاء
في حديثه عن اتفاق غزة، صعّد ترامب لهجته ملوّحاً بالقضاء على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إذا لم “تترك سلاحها”، في تجاهل كامل لسياق الاحتلال، ولحقوق الشعب الفلسطيني، ولمعادلة القوة المختلّة التي أنتجت المقاومة أساساً.
الطرح الأميركي، كما قدّمه ترامب، لا يرى في المقاومة سوى “مشكلة أمنية”، ولا يعترف بجذورها السياسية والتاريخية، ما يعكس انحيازاً فجّاً للاحتلال، واستخداماً للتهديد كأداة دبلوماسية. وهو خطاب ينسجم مع رؤية تعتبر السلام استسلاماً، والأمن خضوعاً، وليس نتاج عدالة أو إنهاء احتلال.
كندا وفرنسا… السخرية بدل الدبلوماسية
ولم تسلم كندا من استعلاء ترامب، إذ قال إن البلاد “ما كانت لتعيش لولا الولايات المتحدة”، في إنكار فجّ لسيادة دولة حليفة، واختزال لعلاقات تاريخية معقّدة في معادلة تبعية. التصريح أثار استياءً واسعاً، كونه يعكس رؤية تعتبر الجيران “مستفيدين” لا شركاء.
أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فقد ناله نصيب من سخرية ترامب، الذي تهكّم على نظارته في إشارة شخصية لا تليق بخطاب دولي، لكنها تنسجم مع أسلوب ترامب القائم على التقليل من الخصوم والحلفاء على حد سواء، وتحويل السياسة إلى مسرح استعراض.
بلطجة سياسية بواجهة اقتصادية
خطاب ترامب في دافوس لم يكن مجرد آراء عابرة، بل تجسيداً لنهج سياسي يقوم على القوة والابتزاز والسخرية، ويختزل العلاقات الدولية في منطق “نحن الأقوى”. إنه خطاب يضعف الثقة بالحلفاء، ويغذّي الانقسامات داخل المعسكر الغربي، ويكشف عن أزمة عميقة في مفهوم القيادة الأميركية للعالم.
في زمن تتصاعد فيه الأزمات العالمية، من الحروب إلى الاقتصاد إلى المناخ، بدا ترامب وكأنه يعيد العالم إلى منطق الغاب: من يملك القوة يفرض الشروط، ومن لا يرضخ يُهدَّد أو يُسخَر منه. هكذا، يتحول دافوس من منصة حوار عالمي إلى مسرح بلطجة سياسية، تُدار فيه العلاقات الدولية بلغة التهديد لا الشراكة، وبمنطق الهيمنة لا القانون.
اقرأ أيضًا : السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام.. حين تتحول الإبادة إلى “حرب دينية”