رغم مرور أكثر من أسبوعين على بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تكشف الأرقام الرسمية عن واقع إنساني قاتم، يفضح تلاعب الاحتلال الإسرائيلي بالاتفاق وعدم احترامه للوسطاء الدوليين. فبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، لم يدخل القطاع سوى 986 شاحنة مساعدات منذ بدء الهدنة، من أصل 6600 شاحنة كان من المفترض دخولها حتى مساء الاثنين، أي ما نسبته 15% فقط من الكميات المقررة.

هذا الانتهاك الإنساني الصارخ يسلط الضوء على استمرار سياسة الخنق والتجويع التي يتبعها الاحتلال بحق أكثر من 2.4 مليون فلسطيني يعيشون تحت الحصار في ظروف غير إنسانية، ما يجعل الحديث عن “وقف إطلاق نار” بلا معنى عملي، طالما تُستخدم المساعدات كسلاح سياسي للابتزاز والضغط.

سياسة التجويع الممنهجة: أرقام تُدين إسرائيل

يشير بيان المكتب الإعلامي إلى أن متوسط عدد الشاحنات التي تدخل غزة يومياً منذ بدء سريان الهدنة لا يتجاوز 89 شاحنة فقط من أصل 600 شاحنة يُفترض دخولها يومياً، تشمل الغذاء والدواء والوقود. ومن بين الشاحنات التي سُمح لها بالمرور، 14 شاحنة فقط لغاز الطهي و28 شاحنة للسولار، وهي كميات لا تفي بالحد الأدنى لتشغيل المستشفيات أو المخابز أو محطات المياه والكهرباء.

ويرى المكتب الحكومي أن هذا السلوك يعكس نية إسرائيلية واضحة لاستمرار الحصار و”الابتزاز الإنساني”، مؤكداً أن الاحتلال يسعى إلى إبقاء غزة رهينة للحصار حتى بعد توقف القتال، في تجاهل متعمد لمطالب الوسطاء وضماناتهم، وخاصة مصر وقطر وتركيا.

ويؤكد خبراء إنسانيون أن ما يحدث هو خرق للاتفاق من حيث المضمون، إذ لا يمكن فصل المساعدات عن بنود الهدنة التي نصت صراحة على تدفقها المنتظم لضمان استقرار الأوضاع الإنسانية.

المنظمات الدولية: غزة على حافة المجاعة

يُجمع تقرير برنامج الأغذية العالمي ومنظمات الأمم المتحدة على أن الكميات الحالية لا تكفي سوى نصف مليون شخص لمدة أسبوعين فقط، أي أقل من ربع السكان. ووفقاً لتقديرات البرنامج، فإن ثلث الأسر الفلسطينية في القطاع محرومة من الطعام لأيام متتالية، فيما أشارت اليونيسيف إلى أن 39% من سكان غزة لا يتناولون الطعام لعدة أيام، وأن 320 ألف طفل دون الخامسة يواجهون خطر سوء التغذية الحاد، إضافة إلى 150 ألف امرأة حامل ومرضع بحاجة ماسة إلى المكملات الغذائية.

هذه الأرقام تعيد إلى الأذهان سياسة “التجويع حتى الركوع” التي استخدمتها إسرائيل في حروب سابقة ضد غزة، لكنها هذه المرة تتم تحت غطاء “هدنة إنسانية” وبتواطؤ من أطراف دولية تغض الطرف عن انتهاك الاحتلال لبنود الاتفاق.

إغلاق معبر رفح: ورقة ضغط سياسية

ورغم استئناف إدخال المساعدات عبر معبري كرم أبو سالم وكيسوفيم، فإن الاحتلال لا يزال يُصر على إغلاق معبر رفح، مانعاً سفر المرضى والجرحى وعودة العالقين. هذه الخطوة تُعد خرقاً جديداً للاتفاق الذي تضمن تسهيل الحركة الإنسانية عبر المعابر، وتشير إلى أن إسرائيل تتعامل مع المعابر كأوراق تفاوض وليس كبوابات حياة.

وقال المتحدث باسم حركة حماس حازم قاسم إن الاحتلال “يستغل ملف المساعدات لابتزاز الموقف السياسي”، محذراً من أن استمرار سياسة التجويع ستفجّر الأوضاع الإنسانية في القطاع من جديد.

ويصف مراقبون هذا التعنت بأنه إهانة صريحة للوسطاء الدوليين الذين بذلوا جهوداً مضنية للوصول إلى الهدنة، معتبرين أن تل أبيب تسعى لفرض وقائع جديدة على الأرض تعيد لها السيطرة الميدانية والاقتصادية على القطاع، من خلال التحكم في تدفق المساعدات كوسيلة للضغط السياسي.

طوابير الجوع وعودة مشاهد الانهيار

على الأرض، يتكدس آلاف الفلسطينيين يومياً في طوابير أمام التكيات ومراكز توزيع الطعام، في مشهد يختصر معاناة شعب حوصر مرتين: مرة بالقصف، ومرة بالجوع.

يقول أحد سكان غزة إنهم ينتظرون لساعات طويلة للحصول على وجبة بسيطة من الأرز أو العدس، بينما يمنع الاحتلال دخول المواد الأساسية مثل اللحوم والدواجن منذ أشهر.

ويحذر مسؤولون في غزة من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى انهيار الخدمات الأساسية بالكامل، لا سيما في ظل نقص الوقود اللازم لتشغيل المستشفيات ومحطات المياه. وقد حذر الدفاع المدني سابقاً من أن توقف الإمدادات يهدد حياة مئات المرضى والمصابين المحاصرين في المستشفيات.

الخاتمة: هدنة شكلية ومأساة متواصلة

بين الأرقام الصادمة وشهادات المنظمات الدولية، يتضح أن ما يجري في غزة ليس هدنة حقيقية بل استمرار للحصار بوسائل جديدة. فإسرائيل، التي تدّعي احترام الاتفاقات، تمارس على الأرض سياسة ممنهجة لتجويع السكان وإذلالهم، في تجاهل كامل للوسطاء الدوليين الذين باتت مكانتهم تتآكل مع كل خرق جديد.

لقد تحولت المساعدات الإنسانية إلى أداة ضغط سياسية، والهدنة إلى ستار يغطي جريمة جماعية بطيئة. وبينما ينتظر أهالي غزة فتح المعابر وعبور الشاحنات المحمّلة بالحياة، تستمر إسرائيل في سياسة “التحكم بالجوع”، لتثبت مرة أخرى أن الاحتلال لا يعرف سوى لغة القهر، ولا يحترم لا اتفاقًا ولا وسيطًا.

اقرأ أيضًا : “ما خفي أعظم”.. تحقيق الجزيرة يكشف هوية قتلة الطفلة هند رجب ويعيد فتح ملف جرائم الاحتلال في غزة