في خطوة مثيرة للجدل، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراراً يقضي بتعليق دخول الطلاب الأجانب إلى الولايات المتحدة لمدة 6 أشهر، إذا كانوا يسعون للدراسة أو المشاركة في برامج التبادل الأكاديمي داخل جامعة هارفارد.

القرار، الذي صدر الأربعاء، أثار موجة انتقادات واسعة، واعتبرته الجامعة “إجراءً انتقامياً” يهدف إلى تقويض استقلالها بسبب مواقفها المعارضة لسياسات ترامب، خاصة فيما يتعلق بالحرب الإسرائيلية على غزة. 

بينما بررت إدارة ترامب القرار بـ”أسباب أمن قومي”، يرى مراقبون أن خلفيته الحقيقية تتعلق بمعاقبة هارفارد على مواقفها المناهضة للاحتلال الإسرائيلي، والرافضة لسياسات التمييز العنصري ومعاداة السامية المزعومة التي تستغلها واشنطن لقمع حرية التعبير.

الأمن القومي ذريعة والهدف سياسي

بحسب بيان البيت الأبيض، فإن القرار يستند إلى “مخاوف تتعلق بالأمن القومي”، ويوجه وزارة الخارجية بالنظر في إلغاء تأشيرات الطلاب الأجانب الحاليين بهارفارد الذين ينطبق عليهم الإعلان، بالإضافة إلى تعليق إصدار تأشيرات جديدة لمدة مبدئية قدرها 6 أشهر. لكن توقيت القرار، وسياقه السياسي، يكشفان عن دلالات تتجاوز مجرد “الاعتبارات الأمنية”.

فقد جاء القرار بعد أسبوع واحد من صدور قرار قضائي اتحادي بمنع إدارة ترامب من التدخل في سياسات قبول الطلاب الأجانب داخل الجامعة، وفي ظل تصعيد مباشر من ترامب نفسه ضد هارفارد، حيث وصفها بأنها “مؤسسة يسارية متطرفة ومعادية للسامية”. 

هذه الاتهامات لم تأتِ من فراغ، بل جاءت إثر تحركات طلابية وشعبية داخل حرم الجامعة تنتقد الحرب الإسرائيلية على غزة، وتندد بالدعم الأميركي غير المشروط للاحتلال، وهو ما فُسّر على أنه السبب الحقيقي وراء انتقام ترامب، مستخدماً أدوات الدولة لمعاقبة واحدة من أعرق الجامعات الأميركية.

ازدواجية المعايير تجاه الجامعات وقضايا فلسطين

لم تشمل قرارات ترامب بقية الجامعات الأميركية، ولم يُفرض أي حظر على الطلاب الأجانب الراغبين في الدراسة في مؤسسات تعليمية أخرى. كما أشار الإعلان الرئاسي نفسه إلى أن الحظر لا يشمل الأجانب الذين يدخلون ضمن “المصلحة الوطنية الأميركية”، وهو ما يعكس بوضوح ازدواجية المعايير في السياسة الأميركية تجاه حرية التعليم والتعبير.

ففي الوقت الذي يتشدق فيه ترامب وإدارته بحرية الرأي والديمقراطية، يلجأ إلى استخدام صلاحياته التنفيذية لمعاقبة جامعة بسبب مواقف طلابها وأساتذتها الداعمة لحقوق الفلسطينيين، والمنتقدة لحرب الإبادة الإسرائيلية في غزة.

ويأتي ذلك ضمن سلسلة من السياسات التي انتهجتها إدارة ترامب، والتي سعت إلى شيطنة أي نشاط أكاديمي أو طلابي ينتقد الاحتلال الإسرائيلي أو يعبر عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني.

القرار أيضاً لا يمكن فصله عن اللقاءات التي عقدها ترامب في البيت الأبيض مع قيادات يهودية بعد هجوم المتحف اليهودي، والذي نُقل عنه حينها مناقشته لفكرة فرض قيود على المؤسسات التي يُزعم أنها “تؤوي أو تسكت عن” من وصفهم بـ”الناشطين المعادين للسامية”. 

ولكن ما لم يقله ترامب أن معظم تلك التحركات الطلابية تندد بسياسات الاحتلال الإسرائيلي، لا بالديانة اليهودية، وهو خلط متعمد تستخدمه الإدارة الأميركية لتجريم التضامن مع فلسطين، تحت لافتة “معاداة السامية”.

معركة مفتوحة بين هارفارد والبيت الأبيض

تُعدّ هذه المواجهة بين ترامب وجامعة هارفارد أحدث فصل في سلسلة صدامات طويلة بين البيت الأبيض ومؤسسات التعليم العليا التي ترفض الخضوع لهيمنة السياسة على الأكاديميا.

 فقد أعلنت هارفارد أنها ستواصل معركتها القضائية ضد الإدارة الأميركية، مؤكدة أن قرار ترامب ينتهك التعديل الأول من الدستور الأميركي، الذي يكفل حرية التعبير وحق الجامعات في إدارة شؤونها الأكاديمية دون تدخل سياسي.

وفي سابقة هي الأولى من نوعها، كانت هارفارد قد رفعت دعوى قضائية ضد ترامب لتجميده تمويلاً فدرالياً بقيمة 2.2 مليار دولار، في محاولة للضغط عليها اقتصادياً بعد مواقفها الأخيرة. 

ووفق مراقبين، فإن قرار تعليق دخول الطلاب الأجانب هو جزء من سياسة ممنهجة لتكميم الأصوات المناهضة للسياسات الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة، خاصة داخل المؤسسات الأكاديمية التي تمثل منبراً حراً ومؤثراً في الرأي العام العالمي.

ورغم المخاطر المترتبة على هذا القرار بالنسبة للطلاب الأجانب، الذين يشكلون حوالي 25% من طلبة هارفارد، تصر الجامعة على موقفها، مؤكدة في بيانها: “لن نتراجع عن التزامنا تجاه طلابنا الدوليين، ولن نسمح بأن يتحول التعليم إلى أداة سياسية في يد الإدارة”.

استهداف ممنهج أم مؤشر على تراجع الحريات؟

يمثل قرار ترامب مؤشراً خطيراً على تصاعد استخدام السلطة التنفيذية الأميركية كأداة للانتقام من المؤسسات الأكاديمية التي ترفض الانصياع للخط السياسي اليميني المتطرف، وخاصة تلك التي تدافع عن حقوق الفلسطينيين.

وبينما يبرر ترامب قراراته بـ”الأمن القومي” ومزاعم “معاداة السامية”، يتضح أن السبب الحقيقي هو انزعاجه من تعاطف الجامعات الأميركية مع غزة ورفضها الانخراط في التغطية على جرائم الاحتلال.

إن ما يحدث مع هارفارد اليوم قد يشكل سابقة خطيرة لفرض رقابة أيديولوجية على الجامعات، وتقييد حرية التعبير في بلد طالما ادّعى أنه حامي الحريات والديمقراطيات.

لكن المقاومة التي تبديها الجامعة وطلابها تفتح الباب أمام معركة دستورية طويلة، قد تُعيد رسم العلاقة بين السياسة والتعليم في الولايات المتحدة، وتفضح مجدداً تناقضات الديمقراطية الأميركية حين يتعلق الأمر بفلسطين.

اقرأ أيضًا : الخلافات تضرب عمق الاحتلال: تسريبات تكشف إقالة نتنياهو لغالانت وهليفي