في مشهد وصفه مراقبون بالتحول التاريخي، قوبل ردّ حركة حماس الإيجابي على خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بترحيب واسع من مختلف دول العالم، بعد أن أكدت الحركة في بيان رسمي موافقتها على الإفراج عن جميع الأسرى — أحياءً وجثامين — وفقًا لبنود الخطة الأميركية، واستعدادها الفوري للدخول في مفاوضات عبر الوسطاء لمناقشة آليات التنفيذ.

اللافت أن الحركة جددت في ردّها التزامها بتسليم إدارة قطاع غزة لهيئة فلسطينية من المستقلين، تقوم على التوافق الوطني، وتحظى بدعم عربي وإسلامي، ما اعتُبر مؤشراً على نضج سياسي ورغبة حقيقية في إنهاء معاناة المدنيين بعد عامين من الحرب المدمرة.

الرد الذي وُصف بالدبلوماسي والمسؤول جعل الرئيس الأميركي نفسه يعلّق قائلاً: “إنه يوم مميز للغاية وربما على نحو غير مسبوق من نواح كثيرة”، في إشارة إلى تفاؤله بفرصة نادرة لإنهاء الحرب التي وُصفت بأنها الأطول والأكثر دموية في تاريخ غزة.

وبينما رأى بعض المراقبين أن حماس نجحت في قلب الطاولة على حكومة الاحتلال بإظهارها انفتاحاً سياسياً في مقابل تصلّب نتنياهو، رأت قوى دولية أن اللحظة الراهنة قد تمثل نقطة تحول باتجاه وقف شامل لإطلاق النار يمهّد لحل سياسي طويل الأمد.

تفاعل دولي غير مسبوق

تصدرت تركيا المشهد الدولي المرحب، حيث وصف الرئيس رجب طيب أردوغان موقف حماس بأنه “خطوة بناءة ومهمة نحو سلام دائم”، مشدداً على أن الاحتلال الإسرائيلي مطالب بوقف هجماته فوراً والالتزام بخطة وقف إطلاق النار.

وقال أردوغان إن “الإبادة الجماعية يجب أن تنتهي الآن، فهذا المشهد المروّع يجرح ضمير الإنسانية جمعاء”، مؤكداً أن بلاده ستواصل دعمها للمفاوضات وصولاً إلى حل الدولتين وضمان حقوق الشعب الفلسطيني.

من جانبه، عبّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن تفاؤله قائلاً: “الإفراج عن جميع الرهائن ووقف إطلاق النار في غزة في متناول اليد”، داعياً إلى تنفيذ التزامات حماس دون تأخير، واعتبر أن العالم أمام “فرصة حقيقية لإحراز تقدم حاسم نحو السلام”.

وفي لندن، وصف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر موافقة حماس على الخطة الأميركية بأنها “خطوة مهمة إلى الأمام”، مشيراً إلى أن “المنطقة باتت أقرب من أي وقت مضى إلى السلام” إذا تم تنفيذ الاتفاق بالكامل.

أما المستشار الألماني فريدريش ميرتس، فقد وصف الموقف الفلسطيني بأنه “أفضل فرصة للسلام بعد ما يقرب من عامين من الدمار والمعاناة”، مطالباً حماس بإطلاق سراح جميع الأسرى والتخلي عن السلاح، في مقابل التزام الاحتلال بوقف فوري للقتال، مضيفاً أن ألمانيا “ستواصل المشاركة الفاعلة في جهود التهدئة”.

وفي روما، أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أن “الأولوية للجميع الآن هي وقف إطلاق النار الذي يؤدي إلى الإفراج عن جميع الرهائن فوراً”، بينما دعا رئيس الوزراء الأيرلندي مايكل مارتن إلى “استثمار إعلان حماس” لفتح الطريق نحو إنهاء الحرب وزيادة المساعدات الإنسانية إلى غزة.

الأمم المتحدة والدول الغربية: فرصة نادرة يجب ألا تضيع

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أبدى ارتياحه الشديد لرد حماس، مؤكداً أن “الفرصة باتت سانحة لإنهاء الحرب ووضع حد للإبادة في غزة”، ودعا جميع الأطراف إلى “اغتنام اللحظة التاريخية” والانتقال إلى مفاوضات جادة تنهي المعاناة الإنسانية التي فاقت حدود الكارثة.

كذلك رحّب رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز بما سماه “تقدماً ملموساً نحو السلام في غزة”، مشيراً إلى أن بلاده تدعم الحل القائم على دولتين وتؤمن بضرورة وضع حد دائم للعنف. أما كندا، فقد أكدت على لسان رئيس وزرائها مارك كارني أن “التزامات حماس بالتخلي عن السلطة وإطلاق سراح الرهائن تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح”، داعياً إلى تنفيذ جميع البنود بما يعزز الأمن والسلام في المنطقة.

هذا التفاعل الكثيف من العواصم الغربية والعربية والدولية عكس تحوّلاً واضحاً في النظرة إلى حماس، إذ لم تعد تُقدَّم في الخطاب الدبلوماسي الغربي على أنها مجرد “جماعة مقاومة مسلحة”، بل كفاعل سياسي رئيسي لا يمكن تجاوز دوره في أي تسوية مقبلة.

ويشير مراقبون إلى أن مواقف واشنطن وباريس وبرلين ولندن مجتمعة تمثل ضغطاً متزايداً على حكومة الاحتلال التي تجد نفسها اليوم في عزلة دبلوماسية متزايدة، خصوصاً بعد أن أعلنت دول في أميركا اللاتينية وأفريقيا استعدادها للاعتراف بالدولة الفلسطينية إذا تم التوصل إلى اتفاق شامل.

نجاح المقاومة وتبدّل موازين القوى

لم يأتِ هذا الترحيب الدولي من فراغ، فالمجتمع الدولي يدرك أن حماس – رغم الحصار والتدمير – تمكنت من الصمود لعامين متواصلين في وجه واحدة من أكثر الحملات العسكرية عنفاً في العصر الحديث، وأن قبولها بخطة ترامب لا يعني استسلاماً بقدر ما يعكس ثقة سياسية وقدرة على المناورة في الميدان والدبلوماسية معاً.

ويرى محللون أن هذا التحول في الموقف العالمي يمثل في جوهره اعترافاً بنجاح المقاومة الفلسطينية في فرض واقع سياسي جديد، بعدما فشلت كل محاولات الاحتلال في إخضاع غزة عسكرياً.

كما أن تجاوب حماس مع المبادرة الأميركية، رغم تحفظات كثيرة على راعيها، يُظهر براغماتية عالية واستعداداً لتحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية، وهو ما جعل دولاً مثل تركيا وقطر ومصر تستعد للعب أدوار أكثر فاعلية في المرحلة المقبلة لتثبيت وقف إطلاق النار وإطلاق مسار إعادة الإعمار.

وبينما تتجه الأنظار إلى تل أبيب التي لا تزال مترددة في إعلان موقف واضح من الخطة، تتزايد الدعوات في الغرب والعالم العربي لاغتنام هذه اللحظة التاريخية قبل أن تضيع، لأن أي فشل جديد سيعني استمرار الحرب والمجازر في غزة، وربما اندلاع موجة إقليمية جديدة من العنف.

وفي ظل هذا الزخم الدبلوماسي غير المسبوق، يبقى السؤال الأهم: هل يستجيب نتنياهو للضغط الدولي ويختار طريق السلام، أم يغامر مجدداً بمستقبل كيانه عبر الاستمرار في حرب خاسرة سياسياً وأخلاقياً؟

اقرأ أيضًا : فقط 10% من المساعدات تصل غزة في سبتمبر: سياسة التجويع الإسرائيلي وفضيحة الخطة الأمريكية