كشف المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة عن أرقام مخيفة تختصر حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها أكثر من 2.4 مليون فلسطيني في القطاع. فخلال شهر سبتمبر/أيلول الماضي، لم يدخل غزة سوى 1824 شاحنة مساعدات من أصل 18 ألف شاحنة كان من المفترض أن تصل، أي ما يعادل 10% فقط من الاحتياجات الفعلية. 

هذا الرقم وحده كافٍ ليؤكد أن ما يجري ليس مجرد أزمة إغاثية أو عقبة لوجستية، بل هو حصار ممنهج يهدف إلى هندسة التجويع الجماعي، وفق وصف البيان الفلسطيني.

وما زاد الطين بلة أن معظم هذه الشاحنات القليلة تعرضت لعمليات نهب وسرقة في ظل حالة الفوضى الأمنية التي يفرضها الاحتلال، في خطوة وصفتها جهات فلسطينية بأنها فوضى مصطنعة تستهدف ضرب أي إمكانية لوصول المساعدات للفئات الأكثر احتياجًا، وخاصة الأطفال والمرضى.

هندسة التجويع: سياسة إسرائيلية متعمدة

الاحتلال الإسرائيلي لم يكتفِ بتقليص عدد الشاحنات، بل مارس سياسة خنق اقتصادي كاملة عبر إغلاق المعابر بشكل متكرر، مثل كرم أبو سالم وكيسوفيم، وإغلاق المنفذ الشمالي (زيكيم) بشكل دائم. هذه السياسة ليست جديدة، لكنها في سبتمبر وصلت إلى مستوى غير مسبوق، حيث تحوّل الحصار إلى أداة عدوانية مباشرة تستهدف حرمان المدنيين من أبسط مقومات الحياة.

الأدهى أن إسرائيل منعت دخول 430 صنفًا من الأغذية الأساسية، بما في ذلك بيض المائدة، اللحوم، الأسماك، الأجبان، مشتقات الألبان، الفواكه والخضراوات، فضلًا عن المكملات الغذائية والمواد المدعّمة التي يحتاجها الأطفال والحوامل والمرضى. هذه الخطوة لا تترك مجالًا للشك: الاحتلال لا يستهدف المقاومة فقط، بل يشن حربًا على حياة المدنيين ذاتها.

التقديرات الرسمية الفلسطينية تشير إلى أن غزة تحتاج يوميًا إلى 600 شاحنة مساعدات لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات، لكن ما دخل في سبتمبر لا يغطي سوى أيام قليلة من الشهر. ومع انهيار شبه كامل للبنية التحتية، وغياب القدرة الشرائية لأكثر من 95% من السكان، أصبحت الحياة في غزة أشبه بـ معسكر اعتقال جماعي يخضع للتجويع والتجريد من أبسط حقوقه الإنسانية.

التواطؤ الدولي وخطة ترامب: تناقض صارخ

في الوقت الذي تُحاصر فيه غزة حتى حدود الجوع، جاء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطته الخاصة بغزة ليكشف تناقضًا فجًا. فالخطة التي وُصفت بأنها “خطة سلام” تتحدث عن تحسين الظروف المعيشية لسكان القطاع، لكنها على الأرض تتناقض مع الواقع الذي تصنعه إسرائيل بدعم أمريكي مباشر.

فالاحتلال الذي يمنع دخول الحليب للأطفال والدواء للمرضى هو نفسه الذي يروّج، برفقة واشنطن، لخطة تزعم إعادة الإعمار والازدهار الاقتصادي. كيف يمكن التوفيق بين التجويع الممنهج وبين وعود “السلام والرفاهية”؟ هذا التناقض يفضح النية الحقيقية وراء الخطة: تدمير صمود الغزيين وإخضاعهم عبر التجويع، لا منحهم أي أفق سياسي أو إنساني.

إن خطة ترامب في جوهرها ليست سوى محاولة لتبييض صورة الاحتلال، بينما تستمر إسرائيل في تحويل القطاع إلى سجن مفتوح، وتمنع دخول المساعدات التي هي أبسط حقوق الإنسان. فإذا كانت واشنطن صادقة في خطتها، فلماذا لم تضغط لفتح المعابر وضمان تدفق الغذاء والدواء بدل الاكتفاء بتصريحات إعلامية؟

النتيجة: غزة على حافة المجاعة

المشهد الحالي في غزة ينذر بكارثة إنسانية قد تتجاوز كل ما سبق. تقارير ميدانية تؤكد أن الأطفال يعانون من سوء تغذية حاد، وأن المستشفيات بالكاد تعمل نتيجة انقطاع الأدوية والمستلزمات. حتى المياه النظيفة والخبز باتا عملتين نادرتين، فيما الغالبية الساحقة من السكان تعيش تحت خط الفقر.

هذا الوضع لا يمكن تفسيره إلا في إطار سياسة التجويع كسلاح حرب، وهي جريمة محرّمة بموجب القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف. ومع ذلك، يستمر الاحتلال بدعم سياسي وعسكري أمريكي، في فرض هذا الحصار المميت، بينما يقف المجتمع الدولي عاجزًا أو متواطئًا.

الخاتمة: دعوة للتحرك قبل الانفجار

إن ما يجري في غزة اليوم ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل هو مخطط إبادة بطيئة يهدف إلى كسر إرادة شعب كامل. الأرقام التي أعلنها المكتب الإعلامي الحكومي في غزة ليست مجرد بيانات إحصائية، بل هي جرس إنذار بأن القطاع يسير نحو كارثة جماعية إن لم يتم التحرك فورًا.

المطلوب ليس بيانات إدانة ولا وعودًا فارغة، بل تحرك حقيقي لفتح المعابر وضمان تدفق المساعدات، ومحاسبة الاحتلال على جرائمه. أما استمرار الصمت، فسيعني أن المجتمع الدولي شريك في هذه الجريمة، وأن خطة ترامب المزعومة ليست سوى غطاء لسياسة التجويع والتدمير التي تنفذها إسرائيل بدم بارد.

اقرا أيضًا : جريمة جديدة.. إسرائيل تحتجز 21 سفينة إغاثة وتتلاعب بمصير 19 أخرى