مقال : أحمد محمد أحمد
أعادت صحيفة التلغراف البريطانية طرح سؤال جوهري حول مستقبل غزة في ظل “اتفاق السلام” الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، متسائلة إن كانت واشنطن فشلت في تحقيق هدفها الأبرز: نزع سلاح المقاومة. ففي تحليل موسّع نشرته الصحيفة، أكدت أن حركة حماس استعادت السيطرة الكاملة على قطاع غزة خلال ساعات فقط من انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي، في مشهد اعتبره مراقبون “عودة سريعة للدولة الموازية” التي كانت إسرائيل تسعى إلى إسقاطها عبر حرب استمرت نحو عامين.
وأوضحت الصحيفة أن مقاتلي حماس خرجوا من الأنفاق فور انسحاب الجيش الإسرائيلي، وانتشروا في المدن والمخيمات، معلنين بدء مرحلة جديدة من السيطرة الأمنية والعسكرية. ونقلت عن صحيفة معاريف العبرية قولها إن ما يحدث في غزة اليوم “يبدو وكأن العامين الماضيين من الحرب لم يوجدا أساسًا”، إذ عادت الحركة إلى الواجهة بسرعة لافتة، تمارس سلطة ميدانية قائمة على “الانتقام من المتعاونين” وإعادة بناء منظومتها الأمنية والأنفاق التي دُمّرت في الحرب.

تفكك الخصوم وصعود حماس مجدداً
وبحسب التلغراف، فإن حماس شرعت فورًا في إعادة تجنيد عناصرها وتنظيم صفوفها، إلى جانب تسليح وحداتها الخاصة بالأسلحة التي تم تهريب بعضها من مخلفات الحرب أو من مصادر إسرائيلية غير مباشرة. وذكرت أن قيادات عسكرية من الحركة بدأت بإعادة تأهيل شبكة الأنفاق الممتدة تحت القطاع، في وقت بدت فيه الفصائل المنافسة، وعلى رأسها جماعة ياسر أبو شباب، على وشك الانهيار بعد توقف الدعم الإسرائيلي الذي كانت تعتمد عليه ضمنيًا أثناء المعارك.
وتابعت الصحيفة أن الحركة شنت خلال الأسبوع الأول من وقف إطلاق النار عملية عنيفة ضد عائلة دغمش في غزة، أسفرت عن مقتل عدد من أفرادها أمام حشود كبيرة، ما أثار ضجة عالمية حول أسلوب “فرض السيطرة بالنار”. ومنذ ذلك الحين، اندلعت اشتباكات محدودة مع جماعات مسلحة صغيرة في الجنوب، سرعان ما حسمتها حماس بفضل امتلاكها مخزونا كافيا من الصواريخ والطائرات المسيرة والأسلحة الخفيفة. واعتبرت التلغراف أن هذه المواجهات الداخلية كشفت هشاشة التنظيمات المنافسة وعودة حماس كقوة مركزية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية سياسية قادمة.
خطة ترامب أمام اختبار الواقع
في سياق متصل، أشار التقرير إلى أن مسؤولين من إدارة ترامب زاروا إسرائيل الأسبوع الماضي لتأكيد التزامهم بالاتفاق المكوَّن من 20 بنداً، رغم تصاعد المخاوف من أن “حماس لن ترحل”. ونقلت الصحيفة عن كوبي مايكل، الرئيس السابق للقسم الفلسطيني في وزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية، قوله إن الحركة “تحاول إعادة صياغة واقع ما بعد الحرب لتصبح السلطة الفعلية في غزة”، مؤكداً أنها “لن تنزع سلاحها ولن تغادر القطاع طوعاً”.
وأضاف مايكل أن تهديد ترامب بـ“تدمير” حماس في حال رفضت نزع سلاحها لا يؤخذ بجدية داخل غزة، لأن الحركة تدرك أن واشنطن تسعى إلى إنهاء الحرب بأي ثمن لتثبيت ما تسميه “السلام الإقليمي”، وليس إلى خوض حرب جديدة. ولفت إلى أن البيت الأبيض يمنح دوراً متزايداً لكلٍّ من تركيا وقطر بوصفهما “الحارستين الرسميتين للخطة”، رغم أن الدولتين ترتبطان أيديولوجياً بجماعة الإخوان المسلمين، الأمر الذي يثير قلق تل أبيب والرياض وأبوظبي من تثبيت موقع حماس كلاعب سياسي شرعي.
انقسامات إقليمية وصراع على تمثيل غزة
تطرقت الصحيفة البريطانية إلى الانقسام الإقليمي حول مستقبل القطاع، مشيرة إلى أن تركيا وقطر تدعمان تثبيت حماس في المشهد السياسي كقوة أمر واقع، بينما تسعى السعودية والإمارات إلى إعادة السلطة الفلسطينية لتكون الممثل الرسمي في غزة، ضمن مشروع يهدف إلى “احتواء” المقاومة وإعادة هندسة الخارطة السياسية الفلسطينية. كما نقلت الصحيفة عن محللين أن بعض الفصائل الصغيرة ذات الولاء لفتح تحاول الاستفادة من هذا الصراع للعودة إلى الواجهة بدعم خليجي.
وفي هذا الإطار، ذكرت التلغراف أن المفاوضات الجارية في القاهرة حول مستقبل إدارة غزة قد تتحول إلى ساحة اختبار لتوازنات النفوذ في المنطقة. فبينما تضغط واشنطن لتشكيل قوة استقرار دولية تشرف على الأمن وإعادة الإعمار، ترفض إسرائيل أي مشاركة تركية في تلك القوة، وتطرح الولايات المتحدة أسماء دول مثل إندونيسيا وأذربيجان كمرشحين للانضمام، رغم تشكيك الخبراء الإسرائيليين في قدرتها على فرض “نزع سلاح حقيقي”، مستشهدين بتجربة فشل قوات اليونيفيل في جنوب لبنان في الحد من تسلح حزب الله.
مأزق ما بعد الحرب
نقلت الصحيفة عن أحمد فؤاد الخطيب، المحلل السياسي المقيم في الولايات المتحدة، أن حماس “بعد تسليم الأسرى لم يعد لديها ما تفاوض عليه سوى سيطرتها على مليوني فلسطيني في القطاع”، مشيراً إلى أن الحركة أعادت فتح مراكز الاستجواب، وبدأت بإعادة تشغيل جهازها الإداري والأمني بسرعة تفوق التوقعات. واعتبر الخطيب أن المقاومة نجحت في “تحويل الانسحاب الإسرائيلي إلى انتصار سياسي داخلي”، في ظل غياب بدائل واقعية للسلطة أو للقوة الدولية التي وعدت واشنطن بها.
وفي الوقت ذاته، حذرت التلغراف من أن سكان غزة ما زالوا يعيشون في ظروف مأساوية داخل مخيمات مكتظة، في ظل غياب الكهرباء والمياه وتأخر عمليات إعادة الإعمار، ومع اقتراب فصل الشتاء تزداد المعاناة الإنسانية سوءاً. وبينما تُعقد الاجتماعات في العواصم الإقليمية لرسم مستقبل القطاع، يرى كثير من المحللين أن “الواقع على الأرض حُسم لصالح المقاومة”، وأن أي خطة لا تعترف بهذه الحقيقة ستكون مجرد “حبر على ورق”.
خلاصة: من يملك القوة يفرض المعادلة
تطرح هذه التطورات سؤالاً محورياً: هل فشلت خطة ترامب فعلاً في نزع سلاح حماس، أم أنها فتحت الباب أمام إعادة تموضع المقاومة كقوة حاكمة لا يمكن تجاوزها؟ تشير المعطيات الميدانية إلى أن الحركة خرجت من الحرب أكثر تماسكا رغم الدمار الهائل، مستفيدة من فراغ السلطة ومن الانقسام العربي والإسرائيلي حول إدارة غزة. وبينما يروّج البيت الأبيض لفكرة “قوة الاستقرار الدولية”، يبدو أن القوة الوحيدة المستقرة فعلاً حتى الآن هي تلك التي تمتلكها المقاومة على الأرض.
اقرأ أيضًا : التعتيم الإعلامي سلاح الاحتلال: لماذا تمنع إسرائيل دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة؟