أثارت التصريحات الأخيرة للأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله موجة واسعة من الجدل والغضب، بعد أن أدلى بتعليقات غير مسبوقة حول رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معتبراً أن لا أحد قادر على التأثير عليه، “حتى رب العالمين”، وفق تعبيره الذي أثار صدمة كبيرة في الأوساط السياسية والشعبية.
هذا التصريح، الذي جاء خلال مشاركته في بودكاست سياسي، لم يكن مجرد رأي عابر، بل حمل دلالات عميقة تتجاوز شخص نتنياهو، لتطرح تساؤلات حول طبيعة القراءة الإماراتية لموازين القوى في المنطقة، وحدود التأثير الدولي على السياسات الإسرائيلية، خاصة في ظل استمرار العدوان على غزة والتوترات الإقليمية المتصاعدة.

قراءة في “العجز الدولي” أمام إسرائيل
يحاول عبد الله من خلال حديثه تسويق فكرة أن إسرائيل، في ظل حكومة يمينية متطرفة، باتت خارج نطاق الضغط الدولي، حتى من أقرب حلفائها مثل الولايات المتحدة. هذه الرؤية تعكس توجهاً متنامياً في بعض الأوساط السياسية الخليجية التي ترى أن مراكز القوة العالمية لم تعد قادرة على ضبط السلوك الإسرائيلي.
لكن هذا الطرح يثير جدلاً كبيراً، إذ يرى منتقدوه أنه يتجاهل حقائق أساسية، أبرزها أن الدعم الأمريكي العسكري والسياسي لإسرائيل يشكل أحد أهم عوامل استمرار سياساتها، ما يعني أن “العجز” ليس مطلقاً، بل هو في كثير من الأحيان “غياب إرادة سياسية” للضغط، وليس عدم قدرة.
التطبيع في قلب المشهد
تأتي هذه التصريحات في سياق العلاقة المعقدة بين الإمارات وإسرائيل، خاصة بعد توقيع اتفاقيات التطبيع عام 2020، والتي مثّلت تحولاً استراتيجياً في سياسات أبوظبي الإقليمية.
ويرى مراقبون أن تصريحات عبد الله قد تعكس محاولة لتبرير هذا المسار، عبر تصوير إسرائيل كقوة لا يمكن التأثير عليها، وبالتالي فإن التعامل معها يصبح “أمراً واقعاً” لا مفر منه.
غير أن هذا التفسير يواجه انتقادات واسعة، حيث يعتبر معارضو التطبيع أن مثل هذه التصريحات تساهم في “تطبيع العجز” وتبرير السياسات الإسرائيلية، بدلاً من مواجهتها أو الضغط عليها.
خطاب دفاعي عن الدور الإماراتي
لم تتوقف تصريحات الأكاديمي الإماراتي عند الشأن الإسرائيلي، بل امتدت لتشمل قضايا إقليمية أخرى، حيث دافع بشدة عن دور بلاده في المنطقة، خصوصاً في مصر وأفريقيا.
فقد اعتبر أن الإمارات لعبت دوراً محورياً في استقرار مصر، في طرح يعكس الرواية الرسمية لأبوظبي، لكنه يثير جدلاً في الأوساط السياسية العربية، التي ترى أن هذا الدور كان جزءاً من إعادة تشكيل المشهد السياسي بما يخدم مصالح محددة.
كما رفض الاتهامات الموجهة للإمارات بشأن ممارساتها في أفريقيا، معتبراً أن هذه الانتقادات غير قابلة للتغيير، في إشارة إلى قناعة راسخة لديه بعدم جدوى النقاش حول هذه القضايا.
توتر مكتوم مع السعودية
واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في حديث عبد الله كانت إشاراته إلى ما وصفه بـ”الغيرة السعودية” من الإمارات، نتيجة تنامي نفوذها الإقليمي.
هذا الطرح يعكس جانباً من التنافس غير المعلن بين الرياض وأبوظبي، خاصة في ملفات مثل اليمن والطاقة والاستثمار. ورغم أن العلاقات بين البلدين ما تزال استراتيجية، فإن هذه التصريحات تكشف عن تباينات حقيقية في الرؤى والمصالح، قد تتسع مستقبلاً مع استمرار التحولات في المنطقة.
ويرى محللون أن الحديث عن “عقدة” أو “غيرة” يعكس محاولة لتقديم الإمارات كقوة صاعدة تتفوق على القوى التقليدية، وهو خطاب يحمل أبعاداً سياسية وإعلامية تتجاوز مجرد التحليل الأكاديمي.
ردود فعل غاضبة وانتقادات حادة
أثارت هذه التصريحات موجة غضب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبرها كثيرون تجاوزاً للثوابت الدينية وخروجاً عن الخطاب الأكاديمي الرصين.
كما تعرض عبد الله لانتقادات من شخصيات سياسية وإعلامية، رأت أن حديثه يعكس “سطحية في التحليل” ويميل إلى الخطاب الدعائي أكثر من كونه قراءة علمية للواقع.
وأشار منتقدوه إلى أن استخدام تعبيرات صادمة لا يخدم النقاش السياسي، بل يضعف مصداقية الطرح، خاصة عندما يصدر عن شخصية أكاديمية يفترض أن تقدم تحليلاً متوازناً وعميقاً.
بين التحليل السياسي والخطاب الدعائي
تكشف هذه الأزمة عن إشكالية أوسع تتعلق بدور الأكاديميين في الفضاء العام، وحدود التداخل بين التحليل العلمي والخطاب السياسي.
ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن يقدم الأكاديمي قراءة موضوعية تستند إلى معطيات دقيقة، تظهر مثل هذه التصريحات كجزء من خطاب سياسي يهدف إلى تبرير سياسات معينة أو الدفاع عنها.
وفي المحصلة، فإن الجدل الذي أثارته تصريحات عبد الخالق عبد الله لا يتعلق فقط بمضمونها، بل يعكس صراعاً أعمق حول طبيعة الخطاب السياسي في المنطقة، وحدود النقد، ودور النخب في تشكيل الوعي العام في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ الشرق الأوسط.
اقرأ أيضا : تصاعد خطاب الكراهية ضد المسلمين في الكونغرس الأمريكي وسط توترات الحرب مع إيران