في مشهد غير مسبوق منذ سنوات، شهدت السواحل التونسية خلال اليومين الماضيين انطلاق 16 سفينة دفعة واحدة ضمن “أسطول الصمود العالمي”، متوجهة نحو قطاع غزة المحاصر، في خطوة وصفتها منظمات حقوقية بأنها “أكبر تحرك مدني دولي لكسر الحصار البحري عن غزة منذ عقد ونصف”.
ويأتي هذا التحرك في وقت يشهد فيه القطاع واحدة من أعنف موجات الإبادة الجماعية التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي بدعم أمريكي، ما أودى بحياة عشرات الآلاف وأدخل السكان في مجاعة شاملة.
![]()
تحرك دولي منسق ينطلق من تونس
بحسب وكالة “الأناضول” وبيانات صادرة عن اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة، فقد غادرت 11 سفينة ميناء بنزرت شمالي تونس بين مساء السبت ومساء الأحد، في حين غادرت ثلاث سفن من ميناء قمرت بالعاصمة، وسفينتان من ميناء سيدي بوسعيد، بينما تنتظر سفينة ثالثة في نفس الميناء استكمال الإجراءات اللوجستية للإبحار خلال الساعات المقبلة. ويُشرف على تنظيم هذا التحرك “هيئة أسطول الصمود المغاربي” التي تضم نشطاء بارزين من دول المغرب العربي، من بينهم الناشط التونسي خالد بوجمعة الذي أكد أن القافلة ماضية قدماً “مهما كانت التهديدات”.
ويُذكر أن هذه الدفعة ليست الأولى؛ إذ أعلنت اللجنة الدولية عن انطلاق أول سفينة ضمن الأسطول من ميناء بنزرت يوم السبت، إيذاناً ببداية تحرك جماعي ضخم، هو الأكبر من نوعه حتى الآن، حيث يضم الأسطول حوالي 50 سفينة متجمعة بموانئ تونسية.
قافلة بحرية عابرة للقارات
الأسطول الحالي ليس مغاربياً فحسب، بل دولياً بامتياز. فهو يضم قافلة مغاربية مكوّنة من 23 سفينة، إلى جانب 22 سفينة أجنبية قادمة من أوروبا وأمريكا اللاتينية والولايات المتحدة وباكستان والهند وماليزيا. وقد بدأت هذه السفن بالتجمع في تونس منذ السابع من أيلول/سبتمبر الجاري، بعدما انطلقت قوافل منها سابقاً من ميناء برشلونة الإسباني في أواخر آب/أغسطس، ثم من ميناء جنوة الإيطالي مطلع أيلول/سبتمبر.
ويشارك في هذا التحرك مئات المتضامنين من 47 دولة، بينهم برلمانيون وفنانون وشخصيات سياسية بارزة، ما يعكس زخماً دولياً متزايداً ضد استمرار الحصار البحري الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي على غزة منذ أكثر من 17 عاماً، وأدى إلى تدهور كامل للبنية التحتية وقطع غزة عن العالم الخارجي.
كسر الحصار: من رمزية التحدي إلى ضرورة إنسانية
تسعى هذه القافلة الدولية إلى كسر الحصار البحري المفروض على قطاع غزة، وفتح ممر إنساني بحري لإيصال مساعدات عاجلة من غذاء ودواء ووقود إلى أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين داخل القطاع. فمنذ مطلع آذار/مارس الماضي، تغلق سلطات الاحتلال جميع المعابر المؤدية إلى غزة بشكل كامل، مانعة أي دخول للمواد الغذائية أو الأدوية أو الوقود، ما تسبب في دخول القطاع في حالة مجاعة حقيقية رغم تكدّس شاحنات المساعدات على الحدود.
ووفق بيانات وزارة الصحة في غزة، فقد خلّف العدوان الإسرائيلي المستمر منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 أكثر من 64,871 شهيداً و164,610 مصاباً، معظمهم من الأطفال والنساء، إلى جانب مئات آلاف النازحين الذين يعيشون بلا مأوى أو مياه نظيفة أو غذاء كافٍ، فيما أودت المجاعة الناتجة عن الحصار بحياة 422 فلسطينياً، بينهم 145 طفلاً.
في هذا السياق، يمثل “أسطول الصمود” محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، من خلال كسر العزلة الخانقة المفروضة على غزة، وتحريك ضمير العالم نحو ضرورة إنهاء الحصار كشرط أساسي لوقف الإبادة الجارية بحق سكان القطاع.
رسالة تحدٍّ وضغط سياسي على الاحتلال
يكتسب هذا التحرك البحري أهمية سياسية ورمزية كبرى، إذ يُعدّ تحدياً مباشراً لسياسة الحصار التي تنتهجها إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة وعدد من القوى الغربية. ففي السابق، كانت قوات الاحتلال تعترض السفن المنفردة المتجهة إلى غزة وتصادرها بالقوة وتعتقل المتضامنين على متنها ثم ترحّلهم، لكن الجديد في هذه المرة هو الحجم الضخم للأسطول وتنوع جنسيات المشاركين فيه، ما يجعل اعتراضه أمراً بالغ الحساسية دبلوماسياً وسياسياً.
كما أن انطلاق الأسطول من تونس، الدولة العربية الوحيدة التي تستضيف هذا العدد الكبير من السفن في وقت واحد، يبعث برسالة قوية عن الموقف الشعبي العربي المتضامن مع الفلسطينيين، ويضع حكومات المنطقة أمام مسؤولياتها في مواجهة الحصار، الذي فشلت الجهود الرسمية حتى الآن في كسره أو حتى التخفيف من آثاره الكارثية.
خاتمة: كسر الحصار أو كسر الصمت
في المحصلة، يشكل انطلاق 16 سفينة دفعة واحدة من تونس نحو غزة حدثاً تاريخياً بكل المقاييس، لا من حيث رمزيته التضامنية فحسب، بل من حيث محاولته الواقعية كسر الحصار وفتح ممر إنساني بحري إلى قطاع يحتضر جراء المجاعة والقصف المتواصل. ورغم إدراك المشاركين لمخاطر الاعتراض الإسرائيلي المحتمل، فإنهم يسعون إلى تحقيق هدف مزدوج: إيصال المساعدات فعلياً إلى سكان غزة، وتحريك الرأي العام العالمي للضغط على الاحتلال لإنهاء حصاره الوحشي، في وقت بات فيه الصمت جريمة موازية للإبادة.
اقرأ ايضًا : دعما لأهالي غزة.. تظاهرة غير مسبوقة في نيوزيلندا