شهدت الضفة الغربية خلال الأيام الأخيرة موجة جديدة من الاقتحامات والاعتداءات المنظمة التي نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي ومجموعات المستوطنين، في سياق تصعيد متواصل يستهدف الفلسطينيين وممتلكاتهم ووجودهم على الأرض. وأسفرت هذه الاعتداءات عن إصابات واعتقالات وعمليات هدم وسرقة، بالتوازي مع إطلاق عملية عسكرية موسعة في محافظة سلفيت، ما يعكس مرحلة أكثر عنفًا في إدارة الاحتلال للضفة الغربية.

هذا التصعيد لا يأتي بمعزل عن سياق الحرب المستمرة على قطاع غزة، بل يبدو امتدادًا لها، ضمن سياسة تهدف إلى إخضاع الضفة ميدانيًا، وتفريغها تدريجيًا من سكانها، وفرض واقع أمني وديمغرافي جديد يخدم المشروع الاستيطاني.

اقتحامات عنيفة وإصابات في عدة مناطق

في مدينة دورا جنوب الخليل، أطلقت قوات الاحتلال الرصاص الحي وقنابل الصوت والغاز خلال اقتحام واسع، ما أدى إلى إصابة فلسطيني بالرصاص، إضافة إلى دهم عدد من المحال التجارية والعبث بمحتوياتها. وشهدت المنطقة حالة من الذعر، خاصة في ظل الانتشار الكثيف للجنود وإغلاق الطرق.

وفي شمال شرق رام الله، تعرض تجمع العراعرة البدوي لهجوم منظم نفذه مستوطنون مسلحون، أسفر عن إصابة عدد من المواطنين. وأفاد سكان المنطقة أن قوات الاحتلال اقتحمت المكان لاحقًا لتأمين انسحاب المهاجمين، في مشهد يعكس التنسيق الميداني بين الجيش والمستوطنين.

أما في قرية الرشايدة جنوب شرق بيت لحم، فقد أصيب فلسطيني بالرصاص وآخر برضوض خلال هجوم استهدف منازل السكان، ما أدى إلى اندلاع مواجهات محدودة في محاولة من الأهالي للدفاع عن ممتلكاتهم.

عمليات عسكرية وهدم منظم للمنازل

في محافظة سلفيت، نفذت قوات الاحتلال عملية عسكرية استمرت ساعات طويلة، شملت دهم عشرات المنازل، بينها منازل أسرى محررين، وإجبار عائلات كاملة على الإخلاء المؤقت. وتخللت العملية تحقيقات ميدانية وعمليات تفتيش واسعة، في محاولة لفرض السيطرة الأمنية على المدينة.

كما دفعت قوات الاحتلال بأكثر من 15 مدرعة عسكرية إلى مدينة ومخيم جنين، وجابت قرى المحافظة، ما تسبب بحالة من الإرباك والخوف، خاصة بين الأطفال وكبار السن، في ظل تكرار مشاهد الحصار والمداهمات الليلية.

وفي بلدة الخضر جنوب غرب بيت لحم، هدمت قوات الاحتلال منزلًا بذريعة البناء دون ترخيص، في استمرار لسياسة الهدم التي تستهدف الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة “ج”. كما أُجبرت عائلة المسن أحمد خضر في صور باهر جنوب القدس على هدم منزلها ذاتيًا تفاديًا لغرامات مالية باهظة، في مشهد يعكس القسوة النفسية والاقتصادية لهذه السياسة.

سرقة واعتداءات منظمة للمستوطنين

لم تقتصر الاعتداءات على الاقتحامات العسكرية، بل ترافقت مع تصعيد لافت في هجمات المستوطنين. ففي قرية يبرود شرق رام الله، سرق مستوطنون عددًا من رؤوس الأغنام بعد مهاجمة أطراف القرية وتخريب غرف زراعية وحظائر، وسط إطلاق نار باتجاه المواطنين.

وتشير شهادات الأهالي إلى أن هذه الاعتداءات تتم غالبًا تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال، أو بحضوره الصامت، ما يحول المستوطنين إلى أداة تنفيذ ميدانية لسياسة التهجير والترهيب.

كما اعتقلت قوات الاحتلال شابًا من حي الهاشمية في البيرة دون توجيه تهم واضحة، في إطار سياسة الاعتقال العشوائي التي تستهدف بث الخوف وكسر الإرادة الشعبية.

شراكة الاحتلال والمستوطنين في فرض الواقع

تعكس هذه التطورات تصاعدًا خطيرًا في دور المستوطنين، الذين باتوا يشكلون رأس حربة في تنفيذ سياسة السيطرة على الأرض. فالهجمات لم تعد فردية أو عشوائية، بل تتسم بالتنظيم والتكرار، وتستهدف بشكل مباشر مصادر رزق الفلسطينيين ومساكنهم وأمنهم الشخصي.

ويرى مراقبون أن ما يجري يمثل نموذجًا لـ”تقاسم الأدوار”، حيث يتولى الجيش القمع الرسمي، بينما ينفذ المستوطنون الاعتداءات اليومية، في إطار مشروع واحد يهدف إلى تفريغ المناطق الفلسطينية لصالح التوسع الاستيطاني.

أرقام صادمة ومسار مفتوح على التصعيد

منذ بدء الحرب على قطاع غزة، كثف الاحتلال اعتداءاته في الضفة الغربية، ما أسفر عن استشهاد 1114 فلسطينيًا، بينهم 230 طفلًا، وإصابة نحو 11 ألفًا و500 آخرين، إضافة إلى اعتقال قرابة 22 ألفًا، وفق بيانات فلسطينية رسمية.

هذه الأرقام تعكس حجم الكلفة الإنسانية الباهظة التي يدفعها الفلسطينيون، في ظل غياب أي مساءلة دولية حقيقية، واستمرار الدعم السياسي والعسكري للاحتلال.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو الضفة الغربية مرشحة لمزيد من التصعيد، مع اتساع رقعة العمليات العسكرية، وتزايد جرأة المستوطنين، واستمرار سياسات الهدم والتهجير، ما ينذر بموجة جديدة من التوتر والانفجار، في منطقة تعيش أصلًا تحت ضغط يومي خانق.

وتؤكد التطورات الأخيرة أن ما يجري ليس مجرد أحداث متفرقة، بل سياسة ممنهجة تستهدف الوجود الفلسطيني برمته، في محاولة لفرض أمر واقع بالقوة، على حساب الحقوق والكرامة الإنسانية.

اقرأ أيضًا : عشر سنوات سجن في الأردن لشبان خططوا لمقاومة الاحتلال وسط اتهامات بتواطؤ رسمي