في خطوة أثارت جدلًا واسعًا في الشارع الأردني والعربي، أصدرت محكمة أمن الدولة في الأردن حكمًا بالسجن عشر سنوات بحق ثلاثة شبان، على خلفية اتهامهم بالتخطيط لتنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية. القرار، الذي جاء في ذروة الغضب الشعبي من حرب الإبادة على قطاع غزة، اعتبره كثيرون رسالة سياسية بقدر ما هو إجراء قضائي، تعكس تموضع النظام الأردني في معادلة إقليمية حساسة تميل، في نظر منتقديه، لصالح الاحتلال.
وبحسب لائحة الاتهام، أدين كل من محمد العوفي ومالك الغانم وقتادة العداسي بتهم تتعلق بـ”تعريض أمن الدولة للخطر” وحيازة أسلحة وذخائر بقصد استخدامها “بشكل غير مشروع”، وهي تهم استخدمت سابقًا في قضايا سياسية وأمنية مشابهة.

من التضامن مع غزة إلى قفص الاتهام
تكشف تفاصيل القضية أن الشبان الثلاثة تحركوا، وفق التحقيقات، بدافع التضامن مع الشعب الفلسطيني في ظل العدوان الإسرائيلي المتواصل على غزة. فقد حاولوا، بحسب الرواية الرسمية، تنفيذ عمل ضد الاحتلال، ونسقوا مع شخص مقيم في العراق يُعرف بـ”أبو ذر”، حصلوا عبره على تمويل لشراء أسلحة.
كما تشير اللائحة إلى أن المتهمين فكروا بداية في استهداف سياح إسرائيليين في مناطق سياحية جنوب الأردن، قبل أن يتراجعوا لعدم وجود أهداف مناسبة، ثم انتقل اثنان منهم إلى العراق وإيران حيث خضعا لتدريبات عسكرية وأمنية، شملت التعامل مع الطائرات المسيرة.
هذه التفاصيل، رغم خطورتها القانونية، يراها كثير من المراقبين في سياق أوسع، مرتبط بحالة الغضب الشعبي العربي من الجرائم الإسرائيلية، ومحاولة بعض الشباب ترجمة هذا الغضب إلى فعل ميداني، في ظل عجز الأنظمة عن اتخاذ مواقف حقيقية.
حدود الأردن تتحول إلى خط أحمر سياسي
اعتقال الشبان جاء بعد رصد تحركاتهم قرب الحدود مع فلسطين المحتلة، وهو ما اعتبرته السلطات “تهديدًا مباشرًا للأمن الوطني”. غير أن منتقدين يرون أن تحويل الحدود إلى “منطقة محرمة” أمام أي فعل مقاوم يعكس التزامًا غير معلن بحماية أمن الاحتلال، أكثر من حماية كرامة الأمة.
ويرى محللون أن الأردن، منذ توقيع اتفاقية وادي عربة، بات جزءًا من منظومة أمنية إقليمية تهدف إلى منع أي اختراق أو تهديد لإسرائيل من الجبهة الشرقية، حتى لو جاء ذلك على حساب المزاج الشعبي الرافض للتطبيع.
الملك بين الخطاب الداعم لغزة والممارسة الميدانية
في الوقت الذي يكرر فيه الملك عبد الله الثاني في خطاباته الرسمية دعمه لحقوق الفلسطينيين ورفضه للعدوان على غزة، تكشف هذه القضية، وغيرها، عن فجوة واضحة بين الخطاب والممارسة. فبينما يُقدَّم الأردن إعلاميًا كمدافع عن القضية الفلسطينية، تُظهر الوقائع أن الأجهزة الأمنية لا تتسامح مع أي تحرك فعلي ضد الاحتلال.
هذا التناقض دفع ناشطين وكتابًا إلى اتهام النظام الأردني بازدواجية المواقف، بل وبالخيانة السياسية للقضية الفلسطينية، عبر حماية المصالح الإسرائيلية تحت غطاء “الأمن والاستقرار”.
سياسة الردع بدل الاحتواء
الحكم بالسجن عشر سنوات لا يمكن فصله عن سياسة الردع التي تنتهجها السلطات الأردنية منذ سنوات، في مواجهة أي نشاط يُصنَّف ضمن “المقاومة” أو “الدعم الميداني للفلسطينيين”. فخلال الأشهر الماضية، صدرت أحكام مشابهة بحق مجموعات أخرى، بعضها اتُّهم بالارتباط بالمقاومة في غزة.
هذه السياسة تهدف، بحسب مراقبين، إلى إرسال رسالة واضحة: أي محاولة للانتقال من التضامن اللفظي إلى الفعل ستُواجه بعقوبات قاسية، مهما كانت الدوافع.
غضب شعبي وصمت رسمي
ورغم حساسية القضية، التزمت الحكومة الأردنية الصمت الإعلامي، واكتفت بالبيانات القضائية الرسمية. في المقابل، شهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة تضامن مع الشبان الثلاثة، واعتبرهم كثيرون “أسرى موقف” لا “مجرمين”.
ويرى ناشطون أن النظام يخشى من تحوّل هذه القضايا إلى شرارة احتجاجات، خاصة في ظل التدهور الاقتصادي وتصاعد الغضب من التطبيع.
بين الأمن الوطني وأمن الاحتلال
تطرح هذه القضية سؤالًا جوهريًا: هل ما يجري دفاع عن الأمن الوطني الأردني، أم عن أمن الاحتلال الإسرائيلي؟ فحين يُعاقَب شباب حاولوا مواجهة آلة القتل الإسرائيلية، بينما تستمر العلاقات السياسية والأمنية مع تل أبيب، يصبح من الصعب إقناع الشارع بأن الأولوية هي “مصلحة الأردن”.
في المحصلة، لا يبدو حكم السجن بحق الشبان الثلاثة مجرد إجراء قضائي عابر، بل حلقة جديدة في سلسلة سياسات تعزز الانفصال بين النظام وشعبه، وتكرّس صورة الأردن كحارس لحدود الاحتلال، لا كظهير حقيقي للمقاومة.
ووسط استمرار المجازر في غزة، تتعمق هذه الفجوة يومًا بعد يوم، لتعيد طرح سؤال الشرعية والموقف والولاء: لمن تنحاز السلطة فعلًا، ولمن تُغلق أبواب الأمل؟
اقرأ أيضًا : ليلة دامية جديدة في غزة تكشف زيف الهدنة واستمرار آلة القتل الإسرائيلية