في مشهد يعكس استعادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية لزمام المبادرة بعد عامين من الفوضى والعدوان، أكدت وزارة الداخلية في غزة أنها أحكمت السيطرة الكاملة على المليشيا المسلحة التي كانت تنشط داخل مدينة غزة، معلنة اعتقال العشرات من عناصرها ومواصلة تمشيط المناطق التي كانت تحت نفوذهم، في خطوة تُعد دليلاً على بقاء المقاومة متجذّرة في القطاع وقدرتها على فرض النظام رغم كل ما واجهته من دمار وحصار.

السيطرة الميدانية وإنهاء الفوضى
مصادر أمنية تحدثت لقناة الجزيرة أكدت أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية تمكنت من القضاء على المليشيا المسلحة التي كانت تتحرك بتنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي خلال الأسابيع الأخيرة، موضحة أن العملية الأمنية أسفرت عن مقتل عدد من المتورطين في جرائم قتل بحق نازحين أثناء عودتهم من جنوب القطاع إلى مدينة غزة.
كما أعلنت المصادر اعتقال نحو 60 عنصراً من أفراد المليشيا، تم نقلهم إلى مواقع آمنة لاستكمال التحقيقات معهم، بينما تواصل الأجهزة عمليات التمشيط لضبط السلاح غير الشرعي وملاحقة الفارين.
وتشير هذه التطورات إلى أن الأجهزة الأمنية نجحت في إعادة إحكام قبضتها على المناطق التي شهدت اشتباكات عنيفة خلال الساعات الماضية، بعدما فرضت طوقاً أمنياً واسعاً على المدينة لمنع أي محاولة لإعادة تنظيم صفوف المجموعات المتمردة.
دلالات أمنية وسياسية
العملية لا يمكن فصلها عن المشهد الأمني والسياسي الذي تشهده غزة بعد وقف إطلاق النار ودخول اتفاق تبادل الأسرى حيز التنفيذ، إذ ترى مصادر سياسية أن ما جرى يمثل تصفية نهائية لبقايا العملاء والمليشيات التي نشأت خلال الحرب بدعم إسرائيلي مباشر بهدف خلق فوضى داخلية وتشويه صورة المقاومة.
فوفقاً لمصادر في وزارة الداخلية، كانت هذه العصابات تعمل تحت مسميات مختلفة، بعضها تورط في السطو على المساعدات الإنسانية وممتلكات المواطنين، وبعضها الآخر شارك في ملاحقة عناصر المقاومة أو في تزويد الاحتلال بمعلومات ميدانية عن تحركات المقاتلين.
وتشير التقديرات إلى أن المجموعات التي تم تفكيكها خلال الأيام الماضية كانت تضم عناصر ممن جندهم الاحتلال عبر شبكاته الاستخباراتية خلال فترة الحرب الطويلة، وأن نشاطها تزايد مع بدء انسحاب الجيش الإسرائيلي من مناطق شمال القطاع، في محاولة لملء الفراغ الأمني وإرباك المشهد الداخلي.
العفو العام واحتواء التوتر الداخلي
في سياق موازٍ، أعلنت وزارة الداخلية والأمن الوطني في غزة عن فتح باب التوبة والعفو العام أمام كل من التحق بالعصابات المسلحة ولم يتورط في جرائم قتل، داعية هؤلاء إلى تسليم أنفسهم خلال أسبوع واحد ابتداء من صباح الاثنين وحتى 19 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وأوضحت الوزارة في بيانها أن الخطوة تأتي “حرصاً على وحدة الصف الداخلي وتعزيز الجبهة الداخلية وتحصين المجتمع الفلسطيني من محاولات الاختراق”.
هذا الإعلان يعكس إدراكاً من قيادة الداخلية لحساسية المرحلة الراهنة التي تحتاج إلى مزيج من الحزم والاحتواء، فبينما تُلاحق الأجهزة المتورطين بالدماء، فإنها تفتح الباب أمام أولئك الذين انجروا مؤقتاً خلف مشاريع الفوضى المدعومة خارجياً، لإعادتهم إلى صف المجتمع.
كما شدد البيان على أن “كل من يرفض تسليم نفسه أو يصر على الاستمرار في مخالفة القانون سيواجه إجراءات صارمة وفق أحكام القانون الفلسطيني”، مؤكداً أن الوزارة “لن تسمح بالمساس بالأمن العام أو بحقوق المواطنين تحت أي ظرف”.
استعادة النظام وتأكيد حضور المقاومة
هذه العملية الأمنية تأتي في وقت تستكمل فيه قوات الداخلية انتشارها في المناطق التي انسحب منها جيش الاحتلال الإسرائيلي، ضمن خطة شاملة لإعادة النظام العام وتهيئة الأرضية لإعادة الإعمار وعودة النازحين.
وقد نجحت الأجهزة الأمنية، خلال يومين فقط من بدء الانتشار، في إعادة فتح الطرق الرئيسية وتنظيم الأسواق ومراكز الخدمات، ما أعطى مؤشراً واضحاً على أن المقاومة، رغم الحصار والدمار، ما زالت قادرة على ضبط المشهد الميداني والسياسي في غزة.
ويرى محللون أن تصفية هذه المليشيا تمثل رسالة مزدوجة: الأولى للاحتلال بأن رهانه على تفكيك الجبهة الداخلية فشل فشلاً ذريعاً، والثانية للمواطنين بأن سلطة القانون والمقاومة لا تزال حاضرة وقادرة على حمايتهم.
كما أن توقيت العملية، بعد ساعات من بدء تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار، يعزز الانطباع بأن المقاومة مصممة على استعادة السيطرة الكاملة على القطاع من دون أي وصاية أو نفوذ خارجي، وأن ما جرى هو خطوة لتطهير الساحة من “الطابور الخامس” الذي استغله الاحتلال خلال الحرب.
بين الأمن والسياسة: غزة تكتب مرحلة جديدة
من الواضح أن ما يحدث في غزة اليوم يتجاوز كونه عملية أمنية محدودة، فهو تحول سياسي واجتماعي عميق يعيد رسم خريطة السلطة بعد عامين من العدوان.
فبينما يسعى الاحتلال لتسويق رواية “نهاية حماس”، تأتي هذه التطورات لتؤكد أن المقاومة ما زالت صاحبة القرار الميداني، وأن مؤسساتها قادرة على إعادة البناء والتنظيم بسرعة لافتة.
ويُتوقع أن تُمهّد هذه الخطوات الطريق أمام مرحلة جديدة من إدارة القطاع على أسس أكثر انضباطاً، تجمع بين حماية الأمن الداخلي ومواصلة التحدي السياسي للاحتلال ومخططاته.
وبينما تعود الحياة تدريجياً إلى غزة، تبقى الرسالة الأبرز في هذه الأحداث أن المقاومة لم تنكسر، بل تطهّر بيتها الداخلي من عملاء الاحتلال وأدوات الفوضى، وتؤكد أن سيادتها على الأرض ثابتة وراسخة، وأنها وحدها القادرة على حماية غزة من الداخل كما من الخارج، في معركة لا تزال مفتوحة ضد الاحتلال وأعوانه.
اقرأ أيضًا : الانحياز الأمريكي يتجلى ميدانيًا.. ويتكوف في غزة لمتابعة انسحاب جيش الاحتلال وفقًا لاتفاق ترامب