أثار إعلان منظمة حقوقية عن إفراج السلطات السعودية عن عدد من الدعاة البارزين، بينهم الشيخ عبد العزيز الطريفي والشيخ إبراهيم السكران، حالة من الجدل والارتباك في الأوساط الحقوقية والإعلامية، وسط تضارب الأنباء حول حقيقة الإفراج، وطبيعة القيود المفروضة على من تم إطلاق سراحهم، وإلى أي مدى يمكن اعتبار ذلك مؤشراً على تخفيف قبضة القمع ضد الرموز الدينية في المملكة.
وبينما هللت بعض الحسابات لنبأ الإفراج، سارعت أخرى إلى نفيه، مما أعاد إلى الواجهة ملفاً شائكاً لطالما مثّل عنواناً للتناقض بين الخطاب الرسمي حول “الانفتاح” وبين واقع الاعتقالات المستمرة والقيود الصارمة المفروضة على حرية التعبير والدين في السعودية.

الملف الغامض: إفراج مشروط أم شائعة منسقة؟
أعلنت منظمة “سند” الحقوقية، المعنية بمتابعة قضايا المعتقلين في السعودية، خبر الإفراج عن ثلاثة دعاة سعوديين هم: الشيخ عبد العزيز الطريفي، والشيخ إبراهيم السكران، والشيخ إبراهيم الحارثي، مشيرة إلى أن ذلك جاء بعد سنوات من الاعتقال التعسفي دون محاكمة أو بسبب أحكام جائرة.
وأكدت المنظمة أن الإفراج عن الطريفي تم بعد تسع سنوات من الاعتقال القسري الذي بدأ في نيسان/أبريل 2016، دون أن يصدر في حقه أي حكم قضائي رسمي، فيما نُقل عن مقربين أنه لا يزال ممنوعاً من التواصل مع العالم الخارجي ويخضع لرقابة مشددة.
في المقابل، شكك حساب “معتقلي الرأي”، أحد أبرز المنصات المعنية بتوثيق الانتهاكات في السعودية، في هذه المعلومات، مؤكداً أن الطريفي لا يزال رهن الاعتقال ولم يطلق سراحه حتى الآن.
أما في ما يخص إبراهيم السكران، فأشار إلى أنه قد أفرج عنه لفترة قصيرة، قبل أن يُعاد اعتقاله فور إعلان أحد أقاربه عن إطلاق سراحه، في مشهد يكرّس سياسة الترهيب حتى بعد الإفراج، ويكشف عن ضيق السلطات حتى من مجرد فرحة عائلة بعودة ابنها.
قمع منهجي وتضييق ممنهج باسم الأمن
يُعد كل من الطريفي والسكران والحارثي من أبرز رموز التيار الديني الوسطي في المملكة، وكانوا قبل اعتقالهم من أصحاب الخطاب المعتدل والمنفتح نسبياً داخل الأوساط الإسلامية.
غير أن اعتقالهم في السنوات الأخيرة، وضمن موجة طالت عدداً كبيراً من العلماء والمفكرين والدعاة، مثل سلمان العودة، وعوض القرني، وعلي العمري، شكّل نقطة تحوّل خطيرة في نهج النظام السعودي تجاه المؤسسة الدينية.
فعلى الرغم من أن السلطة السعودية طالما استخدمت المؤسسة الدينية كأداة لضبط المجتمع وتكريس الطاعة للحكم، إلا أن بروز أصوات إصلاحية أو مستقلة ضمن هذا التيار أثار حفيظة النظام، خاصة منذ تولي محمد بن سلمان ولاية العهد، إذ سعى إلى إحكام قبضته الأمنية والإعلامية، والترويج لخطاب “الانفتاح” المقترن بإسكات أي صوت نقدي، حتى ولو كان من داخل البيت الديني.
وما يفاقم القلق أن من أفرج عنهم -مثل الحارثي وغرم البيشي- لا يزالون تحت قيود صارمة تمنعهم من الحديث للإعلام، أو استخدام شبكات التواصل، أو السفر، أو حتى إقامة علاقات اجتماعية طبيعية. بمعنى آخر، فإن الإفراج عنهم لا يعني بأي حال نهاية لمعاناتهم، بل ربما يكون شكلاً جديداً من الاعتقال تحت الإقامة الجبرية.
الصورة الأشمل: السعودية بين الانفتاح المزعوم والبطش الخفي
تأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه السلطات السعودية تحسين صورتها الحقوقية في الخارج، من خلال الإفراج عن بعض المعتقلين أو تخفيف القيود عليهم، تزامناً مع ضغوط متزايدة من الكونغرس الأمريكي والاتحاد الأوروبي بشأن ملف حقوق الإنسان.
وقد بات واضحاً أن الإفراجات الأخيرة، وإن كانت شكلية أو مشروطة، تخدم بالدرجة الأولى أغراضاً سياسية وترويجية.
غير أن واقع المعتقلين السياسيين والدينيين لا يزال قاتماً، إذ تشير تقارير حقوقية إلى وجود آلاف المعتقلين في السجون السعودية، بعضهم محتجز دون محاكمة منذ سنوات، ويتعرضون للتعذيب وسوء المعاملة، والحرمان من الزيارات والعلاج، فضلاً عن أحكام الإعدام التي تهدد حياة عدد من العلماء والمفكرين.
كما أن التضارب في الأنباء بشأن مصير الطريفي والسكران يعكس طبيعة النظام السعودي، الذي يعتمد على تغييب الشفافية، والتلاعب بالمعلومة، وفرض الرقابة المحكمة على الإعلام والمنظمات الحقوقية. فحتى نبأ الإفراج، لا يمكن تأكيده أو نفيه من مصادر مستقلة، في ظل غياب القضاء المستقل، والإعلام الحر، والمجتمع المدني الفاعل.
خاتمة: الإفراج الحقيقي يبدأ من فتح السجون لا الأبواب فقط
الأنباء المتضاربة حول الإفراج عن الشيخين الطريفي والسكران تسلط الضوء مجدداً على معاناة مئات المعتقلين في السعودية، الذين يدفعون ثمن آرائهم أو مواقفهم أو حتى صمتهم، في ظل نظام لا يقبل إلا بالولاء الكامل.
وإلى أن يُفتح الباب أمام حرية التعبير، ويتم إطلاق سراح جميع المعتقلين دون شروط، ووقف سياسة الترهيب والتنكيل، فإن كل حديث عن “انفتاح” أو “إصلاح” يظل بلا مضمون حقيقي، ويكشف فقط عن محاولة تجميل وجه قمعي بأدوات إعلامية ناعمة.
اقرأ أيضًا : هل مولتها الإمارات؟.. مجزرة جديدة في الفاشر تودي بحياة 13 مدنياً بينهم أطفال”