دخل رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، ورئيس الحكومة التونسية الأسبق علي العريض، في إضراب عن الطعام من داخل السجن لمدة ثلاثة أيام، تضامنًا مع المحامي والمعتقل السياسي العياشي الهمامي، في خطوة أعادت تسليط الضوء على واقع القمع السياسي المتصاعد في تونس منذ استفراد الرئيس قيس سعيّد بالسلطة.

إضراب احتجاجي يتجاوز الرمزية

بحسب بيان حركة النهضة، قرر الغنوشي خوض الإضراب أيام 22 و23 و24 كانون الأول/ديسمبر 2025، تعبيرًا عن رفضه ما وصفه بـ«المحاكمات غير العادلة والأحكام الجائرة»، ومطالبةً باستقلال القضاء وضمان الحريات العامة. وانضم إليه علي العريض استجابةً لدعوة الهمامي، في مشهد تضامني يعكس انتقال الاحتجاج من الشارع إلى الزنازين، بعدما أُغلقت الساحات السياسية والإعلامية.

خلفيات الاعتقال… سياسة أم قانون؟

يقبع الغنوشي في السجن منذ توقيفه في 17 نيسان/أبريل 2023، عقب مداهمة منزله، ثم إيداعه السجن على خلفية تصريحات اعتُبرت «تحريضًا على أمن الدولة». ومنذ ذلك الحين، صدرت بحقه أحكام متعددة في قضايا متفرقة، يرفض على إثرها حضور جلسات المحاكمة، معتبرًا أنها «مسيسة» وتُدار بأوامر سياسية لا قضائية. أما العريض، فاعتُقل في سياق القضايا ذاتها التي طالت قيادات سياسية ومحامين وناشطين، ضمن ما بات يُعرف بملف «التآمر على أمن الدولة».

العياشي الهمامي… الشرارة

جاء هذا التحرك التضامني استجابةً لإضراب المحامي العياشي الهمامي، الذي يقضي حكمًا بالسجن خمس سنوات بعد توقيفه مطلع الشهر الجاري. والهمامي شخصية حقوقية بارزة، شغل سابقًا منصب وزير حقوق الإنسان ورئاسة الهيئة الوطنية للدفاع عن الحريات والديمقراطية. وتتهمه السلطات، إلى جانب آخرين، بقضايا ثقيلة تتعلق بالتآمر والتخابر والتحريض، بينما تؤكد عائلته وهيئة دفاعه أن ملفه سياسي بامتياز.

اتساع دائرة الاحتجاج

لم يقتصر التضامن على شخصيات بعينها، إذ أعلنت جبهة الخلاص الوطني مشاركة عدد من قياداتها وأنصارها في إضراب جماعي عن الطعام، واصفة السجون بأنها تحولت إلى «ساحات نضال ضد الاستبداد». كما أعلن عشرات المحامين، من بينهم عميدا المحامين السابقان عبد الرزاق الكيلاني وشوقي الطبيب، إضرابًا مماثلًا رفضًا لما اعتبروه محاكمات تفتقر لأبسط ضمانات العدالة.

أحكام صادمة ورسالة سياسية

أواخر الشهر الماضي، أصدرت محكمة الاستئناف في تونس أحكامًا بالسجن تراوحت بين 5 و45 عامًا بحق معارضين بارزين، من بينهم أحمد نجيب الشابي، نور الدين البحيري، رضا بلحاج، عصام الشابي، وغازي الشواشي. هذه الأحكام، بتوقيتها وحدّتها، بدت لكثيرين رسالة ردع سياسية أكثر منها إجراءات قضائية، في ظل خطاب رسمي يصر على استقلال القضاء، مقابل واقع يراه المعارضون خاضعًا للسلطة التنفيذية.

قيس سعيّد… من “المنقذ” إلى الحاكم الفرد

منذ قرارات 25 تموز/يوليو 2021، التي جمّد فيها البرلمان وركّز السلطات بيده، يتهم معارضو قيس سعيّد نظامه بتقويض المسار الديمقراطي، وتفكيك المؤسسات، واستخدام القضاء أداة لإسكات الخصوم. ومع غياب التوازن بين السلطات، وتراجع الحريات الإعلامية والسياسية، تحوّل السجن إلى أداة مركزية في إدارة المشهد السياسي.

دلالات الإضراب… أزمة نظام

إضراب الغنوشي والعريض ليس مجرد فعل احتجاجي رمزي، بل مؤشر على انسداد الأفق السياسي في تونس. فعندما يلجأ قادة سياسيون إلى الإضراب عن الطعام داخل السجون، فذلك يعكس فقدان أي قنوات قانونية أو سياسية فعالة للتعبير والاعتراض. كما يكشف عن أزمة شرعية متفاقمة، حيث تحاول السلطة فرض رواية «الأمن والقانون» في مواجهة اتهامات متصاعدة بالاستبداد وتصفية الخصوم.

إلى أين تتجه تونس؟

في ظل هذا المشهد، تبدو تونس أمام مفترق طرق حاد: إما مراجعة شاملة لمسار القمع وإعادة الاعتبار لاستقلال القضاء والحياة السياسية، أو مزيد من الانغلاق الذي قد يدفع البلاد نحو احتقان اجتماعي وسياسي أعمق. وبين جدران السجون، يكتب المعتقلون فصلًا جديدًا من فصول الصراع على مستقبل تونس، عنوانه الأبرز: الحرية في مواجهة حكم الفرد.

اقرأ أيضًا : قوات الاحتلال تنفذ حملة هدم منازل بالضفة الغربية.. تشريد العشرات في سياسة اقتلاع ممنهجة