في مشهد بات مألوفًا في القدس المحتلة، شرعت قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح الاثنين، في هدم عمارة سكنية تضم 13 شقة في حي وادي قدوم ببلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى، بذريعة “البناء غير المرخص”. العمارة كانت تؤوي نحو مئة فلسطيني، بينهم أطفال ونساء وكبار سن، وجدوا أنفسهم فجأة في العراء، بلا مأوى ولا أفق واضح، في واحدة من أوسع عمليات الهدم الجماعي التي شهدتها البلدة خلال الفترة الأخيرة.

قوات الاحتلال فرضت طوقًا أمنيًا مشددًا على المنطقة، ومنعت الأهالي والصحفيين من الاقتراب، فيما تولت جرافات بلدية الاحتلال تنفيذ الهدم وسط انتشار مكثف للشرطة والقوات الخاصة. ولم يقتصر المشهد على تدمير الحجر، بل امتد إلى قمع البشر، حيث اعتدى عناصر الشرطة الإسرائيلية بالضرب على فلسطينيين تجمعوا قرب الموقع، في محاولة لإبعادهم ومنع أي شكل من أشكال الاحتجاج أو حتى الوداع الأخير لمنازلهم.

من سلوان إلى جنين.. التصعيد يتسع بذريعة “الأمن”

ما جرى في سلوان ليس حادثًا منفصلًا، بل يأتي ضمن سياق أوسع من التصعيد المنهجي في الضفة الغربية. بالتوازي مع عملية الهدم في القدس، دفعت قوات الاحتلال بتعزيزات عسكرية ومعدات هندسية ثقيلة إلى مخيم جنين، في مؤشر على نية تنفيذ خطوات ميدانية جديدة بحق المخيم وسكانه.

مصادر محلية أفادت بأن قوات الاحتلال أخطرت عائلات فلسطينية تقطن عمارة الزهراء في محيط المخيم بضرورة إخلاء منازلهم، تمهيدًا لأعمال “تعبيد شوارع”. هذه الذريعة، التي تتكرر في مناطق عدة، غالبًا ما تُستخدم لفتح مسارات عسكرية أو إعادة هندسة المكان أمنيًا، على حساب استقرار السكان وحقهم في السكن الآمن. وفي كل مرة، تكون النتيجة واحدة: مزيد من الضغط على الأهالي، ومزيد من التهجير القسري المقنّع.

بيت لحم والقرى المحاصرة.. خنق التوسع الفلسطيني

سياسة الهدم والمنع لم تقتصر على القدس وجنين، إذ أصدرت سلطات الاحتلال إخطارات بوقف بناء أربعة منازل فلسطينية في قرية العساكرة شرق بيت لحم. هذه الإخطارات تمثل مرحلة أولى في مسار معروف، ينتهي غالبًا بالهدم أو فرض غرامات مالية تعجيزية، في وقت يُحرم فيه الفلسطيني من أي إمكانية قانونية حقيقية للحصول على ترخيص بناء.

مؤسسات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية ودولية تؤكد أن إسرائيل تتعمد عدم إصدار رخص بناء للفلسطينيين، خصوصًا في القدس والضفة الغربية، في مقابل تسهيلات شبه مطلقة للمستوطنين. هذه الازدواجية تكشف الطابع العنصري للسياسة الإسرائيلية، التي لا تهدف إلى “تنظيم البناء” كما تزعم، بل إلى منع أي نمو طبيعي للمجتمع الفلسطيني، ودفعه إما إلى الاكتظاظ والفقر أو إلى الرحيل القسري.

أرقام دامغة.. الهدم جزء من حرب شاملة

تأتي عمليات الهدم في سياق تصعيد غير مسبوق تشهده الضفة الغربية منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة. فالهدم يترافق مع اقتحامات يومية، واعتقالات جماعية، واعتداءات متصاعدة من قبل المستوطنين على الأهالي وممتلكاتهم ومصادر أرزاقهم.

ووفق معطيات ميدانية، استشهد في الضفة الغربية 1102 فلسطينيين منذ بدء الحرب على غزة، وأُصيب نحو 11 ألفًا، فيما تجاوز عدد المعتقلين 21 ألفًا. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم العنف، بل تكشف أن ما يجري هو سياسة شاملة تستهدف الإنسان الفلسطيني في حياته وأمنه وسكنه وكرامته، في محاولة لكسر إرادته وفرض وقائع جديدة بالقوة.

إجرام منظم وصمت دولي

هدم المنازل في الأراضي المحتلة يُعد جريمة وفق القانون الدولي، الذي يحظر تدمير الممتلكات الخاصة إلا لضرورات عسكرية ملحّة، وهي شروط لا تنطبق على ما يجري في سلوان أو جنين أو بيت لحم. ومع ذلك، تواصل إسرائيل تنفيذ هذه السياسة وسط صمت دولي مريب، يصل في كثير من الأحيان إلى حد التواطؤ.

ما يحدث اليوم في الضفة الغربية ليس مجرد “إجراءات إدارية”، بل إجرام منظم يستهدف اقتلاع شعب من أرضه، وتحويل حياته إلى معركة يومية من أجل البقاء. ومع كل منزل يُهدم، تُستهدف الذاكرة والهوية والاستقرار الاجتماعي، لكن الفلسطينيين، رغم القمع والتشريد، يواصلون التشبث بأرضهم، مدركين أن الصمود بات خط الدفاع الأخير في وجه مشروع استعماري لا يعرف سوى منطق القوة.

اقرا أيضا : إمارات التخريب تدفع ميليشيا الانتقالي للانفصال.. 3 وزراء يمنيون ينقلبون على الحكومة