في فصل جديد من فصول الفاجعة التي يعيشها قطاع غزة منذ أكثر من عام، استُشهد نجل القيادي في حركة حماس، غازي حمد، داخل أنفاق رفح جنوبي القطاع، بعد حصار طويل خاضه مع مجموعة من المقاتلين. 

الحدث لا يختصر فقط قصة شاب التحق بالمقاومة، بل يعكس حجم التضحية التي يقدمها قادة الصف الأول، الذين يدفعون من دمهم ودم أبنائهم ثمن صمود شعب بأكمله.

أنفاق رفح.. خط الحياة وخط الموت

منذ الأيام الأولى للحرب، تحوّلت أنفاق رفح إلى ملجأ للمقاتلين، ومستودع سلاح، وممرّ إنقاذ للهاربين من جحيم القصف. تحت الأرض يعيش المقاومون بضع ساعات من الهدوء النسبي، لكنهم يدركون دائمًا أن النفق قد ينقلب في أي لحظة إلى قبر مغلق لا خروج منه.

استشهاد نجل غازي حمد يجسّد هذا التحول المأساوي: من نفق للحماية إلى نفق للحصار والموت. الشاب لم يكن مجرد مقاتل؛ كان إحدى الأيدي التي تعمل في صمت، وتقاوم في ظروف قاسية يعرف الداخلها أنه قد لا يخرج منها حيًا.

قيادات تدفع الثمن من دم أبنائها

اللافت في هذا الحدث ليس فقط استشهاد شاب من رفح، بل استشهاد ابن قيادي بارز في المقاومة. هذه النقطة تحمل رمزية كبرى:

  • المقاومة ليست قيادة تُرسِل أبناء الفقراء إلى الجبهات.

  • القيادات نفسها تدفع الثمن، وتقدّم أبناءها شهداء.

  • الخطوط الأمامية ليست حكراً على القاعدة الشعبية، بل يشارك فيها أبناء الصف الأول.

هذا الاستشهاد يذكّر بسلسلة طويلة من أسماء أبناء قيادات المقاومة الذين ارتقوا منذ بداية الحرب؛ أسماء لا يعلن عنها كثيرًا إعلاميًا، لكنها محفورة في ذاكرة القواعد التنظيمية ومُسجلة في دفاتر الفقد الفلسطيني.

في غزة، لا أحد محصن من الموت.

القادة يقاتلون، وأبناؤهم يقاتلون، وعائلاتهم تدفع ثمنًا لا يقل عن ثمن أي عائلة أخرى.

معنى الاستشهاد داخل النفق… أكبر من رحيل شخص

الاستشهاد تحت الأرض له دلالة مضاعفة. الشهيد الذي يرتقي تحت الركام أو تحت القصف يترك أثرًا موجعًا. لكن الاستشهاد داخل نفق مغلق يعكس ثلاثة معانٍ أساسية:

أولًا: شدة الحصار

النفق يتحول إلى خيار عسكري اضطراري حين تكون الأرض فوقه جحيمًا لا يمكن للإنسان البقاء فيه.

ثانيًا: إصرار المقاومة

البقاء في الأنفاق رغم استهدافها المتكرر يكشف عن إرادة قتال لا تتبدل. المقاتلون يفضلون الموت في باطن الأرض على الاستسلام في سطحها.

ثالثًا: رمزية العتمة

النفق المظلم يصبح رمزًا للواقع الغزي: حياة تحت الأرض، موت تحت الأرض، وأمل يخرج فجأة من بين الإسمنت والتراب.

رفح… آخر بقعة تحت النار

منذ بداية الحرب، تمثل رفح آخر خطوط الصمود.

المدينة التي استقبلت ملايين النازحين من الشمال والوسط أصبحت الآن مركز عمليات عسكرية كثيفة. الأنفاق التي كانت متنفسًا للقطاع باتت مطاردة ليلًا ونهارًا، والطائرات لا تغادر سماء المكان، والاقتحامات تتكرر بشكل شبه يومي.

رفح اليوم ليست مجرد مدينة؛ إنها رمز لمعركة تمتد من فوق الأرض إلى باطنها، حيث يختلط الغبار بدم الشهداء داخل أنفاق لا تعرف الشمس.

التضحيات تتصاعد… والمقاومة تدرك الثمن

استشهاد نجل غازي حمد يأتي في لحظة حساسة، وسط تقارير عن مفاوضات، وضغوط دولية، وتحركات سياسية. لكن المقاومة في غزة تُرسل رسالة واضحة:

من يقدّم أبناءه شهداء، لن يبيع دم شعبه على طاولة تفاوض.

تضحيات القادة ليست حركة إعلامية، وليست وسيلة للبطولة الخطابية. هي ثمن يُدفع فعليًا:

  • قادة قُصفت منازلهم فوق رؤوس أسرهم.

  • قادة فقدوا أبناءً وإخوة.

  • قادة يعيشون تحت الأرض لشهور طويلة.

  • وآخرون لم يروا ضوء الشمس منذ بداية الحرب.

هذه التضحيات هي ما يمنح المقاومة شرعية معنوية داخل المجتمع الغزي، حيث يرى الناس أن القيادي ليس في برج عاجي، بل في قلب النار، يدفع الثمن مثلهم وربما أكثر.

معنى الاستشهاد اليوم… بين السياسة والميدان

رغم أن الاستشهاد حدث عسكري في جوهره، إلا أن وقعه السياسي كبير.

فهو يأتي ليقول:

  • الاحتلال لم ينجح في كسر بنية المقاومة.

  • القادة الذين يُفاوضون في الخارج يَدفنون أبناءهم في الداخل.

  • غزة، رغم الألم، لا زالت تُخرج جيلًا جديدًا من المقاتلين المستعدين لدفع الثمن حتى النهاية.

والأهم أن الاستشهاد لا يقتصر على عائلة واحدة، بل يمثل تجربة مكررة لأسر قيادات ميدانية وسياسية، ما يجعل التضحية الفلسطينية تضحية جماعية وليست مجرد حالة فردية.

خاتمة: دماء تُضيء طريقًا في الظلام

استشهاد نجل غازي حمد ليس مجرد رقم في قائمة الشهداء، بل علامة فارقة في مسار المقاومة.

إنه يذكر العالم بأن القادة في غزة لا يفاوضون من أجل سلطة، ولا يقاتلون من أجل مكاسب، بل يدفعون دمهم ودم أبنائهم في سبيل قضية يرونها أكبر من الحياة نفسها.

ورغم أن الأنفاق تُغلَق على الشهداء، إلا أن دماءهم تفتح دائمًا أبوابًا جديدة… أبواب صمود وإصرار لا يقدر الاحتلال على إغلاقها مهما حاول.

اقرأ أيضًا : السيسي يعسكر الأئمة والجامعات.. دولة تتآكل لصالح الجنرالات