في مشهد يعكس عمق القلق الذي يعتري النظام المصري من أي مبادرات شعبية داعمة لغزة، يتعرض «أسطول الصمود المصري» — القائم على جمع تبرعات غذائية ودوائية وطبية لإرسالها إلى القطاع المحاصر — إلى حملة تضييقات وتهديدات أمنية ممنهجة، وصلت حد اعتراض المتبرعين في الطرق المؤدية إلى مقرات الأسطول وتهديدهم بالطرد والملاحقة.
هذه الحملة الأمنية تكشف — بوضوح — سياسة السيسي في كبح أي تحرك شعبي يفضح تواطؤه مع الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة، وتحويل مصر إلى حاجز بشري أمام قوافل التضامن الشعبي.

نقاط تفتيش وتهديدات مباشرة: حصار أمني لمبادرات الدعم الشعبي
منذ انطلاق دعوات «أسطول الصمود المصري» لجمع التبرعات العينية — من أدوية ومستلزمات طبية ومواد غذائية — تدفّق العشرات من المواطنين من مختلف المحافظات إلى مقرات الأسطول، وفي مقدمتها المقر الرئيسي في وسط القاهرة، حاملين ما يستطيعون من مؤن ومساعدات بسيطة. لكنّ الطريق إلى هذه المقرات تحوّل إلى ما يشبه «الحاجز الأمني»، إذ نصب ضباط ومخبرون تابعون لجهات أمنية متعددة كمائن تفتيش في الشوارع المؤدية للمقرات، وأوقفوا المارة والدراجات البخارية وسيارات توصيل الطلبات، وفتّشوها بحثًا عن صناديق أو أكياس يُشتبه أنها تبرعات موجهة إلى غزة.
شهادات شهود عيان تحدثوا عن قيام عناصر أمن بتهديد بعض المتبرعين بالطرد والاحتجاز إذا أصروا على التوجه إلى المقر، بل وصل الأمر إلى منعهم من دخول الشوارع المؤدية إليه. هذه المضايقات تسببت في مشادات كلامية واحتكاكات بين أعضاء لجنة التنظيم وبين عناصر الأمن، وتدخلت قيادات حزبية وأمنية لاحتواء الموقف، لكن دون أن تتوقف حملات التهديد أو تُرفع الحواجز الأمنية عن الطرق المؤدية للمقرات.
السيسي يخنق العمل الشعبي.. خوف من كسر الحصار المفروض على غزة
ما يجري لا يمكن فصله عن سياسة عبد الفتاح السيسي في كبح أي مظاهر دعم شعبي لفلسطين، خشية أن تتحول إلى موجة ضغط على نظامه المتواطئ مع الاحتلال الإسرائيلي في خنق غزة. فمنذ اندلاع الحرب الأخيرة على القطاع، شددت السلطات المصرية قبضتها الأمنية ضد الفعاليات الشعبية المؤيدة لغزة، وأغلقت ميادين القاهرة في وجه التظاهرات، وضيّقت على قوافل المساعدات الشعبية. واليوم، تأتي ممارسات الحصار الأمني ضد «أسطول الصمود» لتؤكد أن النظام لا يسمح بأي مبادرة تكسر مشهد «التطبيع الصامت» الذي يريده مع الاحتلال.
أحد أعضاء اللجنة التنظيمية — طلب عدم ذكر اسمه خشية الملاحقة — قال إن اللجنة تواجه ضغوطًا متواصلة، وإنه في حال لم يُسمح للأسطول بالإبحار نحو غزة فستقوم بنقل كافة التبرعات إلى «اللجنة الشعبية لدعم فلسطين» التي تعمل على تنظيم قوافل مساعدات برية بالتنسيق مع الهلال الأحمر المصري ووكالة الأونروا. وأضاف أن هناك مفاوضات مع عدد من أصحاب المراكب في المحافظات الساحلية لإشراكهم في الرحلة البحرية، لكن العقبة الرئيسية تبقى في الحصول على تصريح من خفر السواحل المصري، وهو ما تماطل السلطات في منحه حتى اللحظة.
حراك شعبي متنامٍ رغم القمع.. مشهد يفضح عزلة النظام
رغم القمع الأمني، يستمر توافد المتبرعين إلى مقرات «أسطول الصمود»، في مشهد يفضح عزلة النظام عن المزاج الشعبي العام. ووفق اللجنة، فقد تبرع مواطنون بمواد غذائية وطبية متنوعة، بل حضرت سيدات سودانيات يحملن أغذية من منازلهن لتقاسمها مع أهالي غزة، في لفتة إنسانية عفوية أثارت إعجاب المنظمين. كما تلقت اللجنة اتصالات ورسائل عديدة من مواطنين يرغبون في تنسيق توصيل تبرعاتهم وفرزها وتصنيفها تمهيدًا لتحميلها ضمن شحنة الأسطول.
هذا التدفق الشعبي المخلص — مقابل التضييق الأمني العدائي — يعكس الفجوة العميقة بين النظام الذي يعمل على حماية حدود الاحتلال ومنع وصول أي دعم لغزة، وبين الشارع المصري الذي يرى في دعم الفلسطينيين واجبًا قوميًّا وإنسانيًّا. فالسلطات تخشى أن يؤدي هذا الزخم إلى خلق حالة تعبئة شعبية تكسر الحصار السياسي والإعلامي المفروض على غزة من داخل مصر نفسها، وهو ما قد يُربك علاقاتها الوثيقة بتل أبيب.
ختامًا: محاولة لخنق روح التضامن
حملة التضييق الأمني ضد «أسطول الصمود المصري» ليست حادثة معزولة، بل هي جزء من نهج ممنهج يتبعه السيسي لإخماد أي بادرة تضامن مع الشعب الفلسطيني، حتى وإن كانت محض مساعدات إنسانية. فالنظام الذي يغلق معبر رفح معظم الوقت، ويشارك في حصار غزة اقتصاديًا وأمنيًا، لا يريد أن يرى قوافل مصرية تبحر نحو غزة أو أن يشهد صورًا للعلم الفلسطيني يرفرف من شواطئه، لأنها ببساطة تفضح تواطؤه أمام الرأي العام.
لكن إرادة الناس التي تجلت في مبادرات التبرع، وجرأتهم على تحدي الحواجز الأمنية، تؤكد أن نبض الشارع المصري لا يزال حيًّا، وأن محاولات النظام لخنق روح التضامن مع غزة لن تنجح، حتى لو استخدم كل أدوات القمع. فكل صندوق دواء يُمنع وكل كيس طعام يُصادر، يزيد من عار نظام اختار حماية الاحتلال بدل حماية قيم الأمة.
اقرأ أيضا : خيبة أمل واسعة من بيان قمة الدوحة بعد العدوان الإسرائيلي