أثار البيان الختامي الصادر عن القمة العربية والإسلامية الطارئة في الدوحة، التي انعقدت الاثنين للرد على العدوان الإسرائيلي الذي استهدف وفد حركة “حماس” المفاوض في قطر قبل نحو أسبوع، تفاعلات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، حملت في معظمها مشاعر استياء وخيبة أمل من الاكتفاء بالإدانات اللفظية، دون اتخاذ خطوات عملية توازي حجم الانتهاك الذي طال دولة عربية ذات سيادة.

مطالبات بقرارات رادعة بدلًا من الاكتفاء بالإدانات
شارك في القمة الاستثنائية قادة ومسؤولون من 57 دولة عربية وإسلامية، وأكدت كلماتهم إدانة العدوان الإسرائيلي على العاصمة القطرية، مع دعوات إلى محاسبة الاحتلال ووقف انتهاكاته المتصاعدة في المنطقة. ورغم ذلك، فقد بدا البيان الختامي في نظر كثيرين امتدادًا للبيانات التقليدية التي تصدر عن القمم العربية في الأزمات، دون أن تُفضي إلى نتائج ملموسة.
وتداول ناشطون تعليقات تنتقد “الهوة الواسعة” بين تطلعات الشعوب وقرارات الحكومات، إذ كتب أحدهم: «للأسف تطلعات الشعوب في واد، ورؤية حكامنا في واد آخر. نسأل الله أن يحكم بيننا وبينكم بالحق. وعند الله تجتمع الخصوم». بينما غرّد آخر: «شجب واستنكار بلا فعل! الانبطاح أمام الصهيونية صار واضحا، والعدوان القادم أعظم وأشد، سيطال جميع الدول العربية إذا استمر الصمت. الشعوب لن تصمت، والفعل الحقيقي هو الردع».
واعتبر بعض المعلقين أن غياب القرارات العقابية الواضحة ضد الاحتلال أفقد القمة مصداقيتها أمام الرأي العام العربي والإسلامي، مشيرين إلى أن العالم ينظر إلى إسرائيل ككيان لا يردعه سوى القوة، وأن أي لغة أقل من ذلك تُفهم ضعفًا وتخاذلًا.
مقترحات شعبية لتفعيل الرد العربي والإسلامي
في خضم موجة الانتقادات، طرح ناشطون أفكارًا رمزية وفعالة اعتبروها الحد الأدنى من الرد، مثل الدعوة إلى إغلاق قاعدة “العديد” الأمريكية في قطر كرسالة سياسية قوية للغرب وللاحتلال الإسرائيلي، وتشكيل قوة عسكرية عربية-إسلامية تتولى حماية الأمن الجماعي وردع أي اعتداءات مستقبلية على دول المنطقة.
وكتب أحد المعلقين: «لحفظ ماء وجه قمة الدوحة، كان عليها أن تتخذ قرار إغلاق قاعدة العديد الأمريكية، وتبادر قوى إسلامية لملء الفراغ، وتتشكل قوة عسكرية عربية وإسلامية من الدول التي تثق فيها دولة قطر»، مضيفًا: «ستكون هذه القوة بمثابة لبنة وأرضية أولية، بعدها يبدأ توسيع آليات تطويرها إلى منظومة عسكرية تحفظ الأمن».
ورأى كثيرون أن استمرار نهج “الدبلوماسية الدفاعية” لن يحقق الأمن لدول المنطقة، وأن القمة أهدرت فرصة تاريخية لتغيير المعادلة عبر التحرك الموحد سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا في وجه الاحتلال.
إشادة بخطابات استثنائية وسط انتقادات عامة
ورغم موجة الغضب العارمة، لقيت بعض الكلمات استحسانًا لدى قطاعات من المتابعين، خصوصًا خطاب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الذي وُصف بأنه «رسالة قوية إلى العرب والمسلمين»، وكذلك كلمة الرئيس اللبناني جوزيف عون الذي قال إنّ «الشعوب سأمت من كلامنا المكرر، ندين ونستنكر ونشجب»، وهو ما اعتبره ناشطون صراحة نادرة داخل المحافل العربية الرسمية.
وأشار أحد المعلقين إلى أن «القادة يعرفون تمامًا ما تقوله الشعوب العربية والإسلامية: لسنا ضدكم لكن نريد لكم ولنا موقفًا يرفع قدركم وكرامة أمتكم». كما اعتبر مغرد يدعى نواف العنزي أنّ قمة الدوحة رغم مخرجاتها الهزيلة، تظل دلالة رمزية على وحدة الشعوب العربية والإسلامية في رفض العدوان الإسرائيلي وجرائمه المستمرة.
خلفيات العدوان وأبعاده الإقليمية
وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد شن، الثلاثاء الماضي، هجومًا جويًا استهدف وفد “حماس” المفاوض في الدوحة، أسفر عن مقتل مدير مكتب رئيس الحركة في غزة جهاد لبد ونجله همام الحية وثلاثة من مرافقيهم، فيما نجا رئيس الوفد خليل الحية. وأعلنت قطر آنذاك احتفاظها بحق الرد على هذا الانتهاك الخطير لسيادتها، معتبرة أنه استهدف دورها كوسيط في المفاوضات غير المباشرة بين حماس وإسرائيل بوساطة مصرية ومشاركة أمريكية.
وأثار الهجوم إدانات عربية ودولية واسعة، خاصة أنه جاء في وقت تلعب فيه الدوحة دورًا محوريًا في جهود التهدئة، وسط حرب إبادة متواصلة يشنها الاحتلال على قطاع غزة منذ نحو عامين، وعدوان متصاعد على الضفة الغربية ولبنان وسوريا واليمن، فضلًا عن عدوان سابق على إيران في يونيو/حزيران الماضي.
استنتاج: فرصة ضائعة لتغيير المعادلة
يعكس التفاعل الشعبي الواسع على منصات التواصل إدراكًا عامًا بأن القمم العربية والإسلامية لم تعد تواكب مستوى التهديدات التي تواجه الأمة، وأن الاكتفاء بإدانة لفظية لعدوان هو الأول من نوعه على دولة خليجية بحجم قطر، يوجه رسالة خاطئة للعدو بأنه قادر على الإفلات من العقاب دون ثمن.
وبينما كانت الآمال معلّقة على أن تشكّل قمة الدوحة نقطة تحوّل في التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي، فإن البيان الختامي بدا استمرارًا للنمط التقليدي القائم على التنديد دون إجراءات عملية، وهو ما يجعلها – في نظر كثيرين – فرصة ضائعة لتغيير المعادلة، ويمهد الطريق لمزيد من التمادي الإسرائيلي في انتهاك القانون الدولي وتهديد أمن المنطقة بأسرها.
اقرأ أيضًا : ساعات دامية في غزة.. الاحتلال يصعّد وحشيته ويواصل المجازر