شهدت مدينة صفاقس التونسية صباح اليوم الأحد حالة استنفار أمني لافتة، بعدما طوقت قوات الأمن مقر الاتحاد الجهوي للشغل بشكل كامل، في خطوة وصفتها النقابات بـ”غير المسبوقة” منذ عقود.
هذا التطويق جاء وسط أجواء مشحونة بين أنصار الاتحاد وأنصار الرئيس قيس سعيّد، الذين يطالبون بمحاكمة النقابيين واتهامهم بـ”الفساد”، في حين يرى النقابيون أن ما يجري ليس سوى حملة سياسية هدفها ضرب واحدة من أعرق المنظمات الوطنية في تونس.
شعارات النقابيين ورسائل الغضب
منذ الساعات الأولى، تجمّع العشرات من النقابيين أمام المقر النقابي في صفاقس، رافعين شعارات قوية ضد القمع وتضييق الحريات، من بينها: “هايلة البلاد قمع واستبداد”، و”يا منظومة الفشل الرحيل هو الحل”، و”الاتحاد لا يهان”.
الرسالة كانت واضحة: النقابيون يعتبرون أن الاتحاد مستهدف من حملة ممنهجة يقودها خطاب رسمي شعبوي يحرّض ضدهم، وأن ما يحصل اليوم ليس إلا محاولة لتصفية حسابات سياسية، خاصة بعد المسيرة الحاشدة التي نظمها الاتحاد الأسبوع الماضي للدفاع عن استقلاليته.
أنصار الرئيس ومناخ الاحتقان
على الضفة المقابلة، تجمّع عشرات من أنصار الرئيس قيس سعيّد قرب بلدية صفاقس، رافعين شعارات من قبيل: “نحب اتحاد صالح موش مصالح” و”الشعب يريد تطهير الاتحاد”. هذا التحشيد خلق أجواء متوترة زادت من المخاوف من اندلاع مواجهات مباشرة بين الطرفين.
الكاتب العام المساعد بصفاقس، محمد عباس، كشف أن هناك دعوات جدية للهجوم على مقر الاتحاد، مؤكداً أن النقابيين تجمّعوا للدفاع عن مقرهم بعدما “فشلت السلطة في محاسبة الميليشيات التي هاجمت المقر المركزي للاتحاد بالعاصمة قبل أيام”.
تطويق أمني “رهيب”
محمد عباس وصف المشهد بكلمات تحمل الكثير من الدلالة: “44 سنة في الاتحاد ولم أر مثل هذا الطوق الأمني وبهذا الحجم”. وأضاف أن حجم التعزيزات الأمنية حول المقر “غير مبرر”، إذ أن النقابيين لم يقوموا بأي أعمال تهدد الأمن العام، وأن هذا المشهد يعكس استهدافاً واضحاً للاتحاد بدل حماية مقراته من أي اعتداء خارجي.
كما حذر من أن خطاب الفتنة والكراهية الصادر عن بعض المسؤولين الرسميين يذكّر بخطاب التحريض الذي سبق اغتيال شكري بلعيد سنة 2013، وهو ما يثير قلقاً جدياً على السلم الاجتماعي.
بيانات الاتحاد وتحميل المسؤولية
الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس نشر بياناً شديد اللهجة عبر صفحته الرسمية، أكد فيه أن “مجموعات ميليشياوية” تجمعت أمام البلدية وتخطط للاعتداء على مقر الاتحاد. البيان حمّل السلطة المسؤولية الكاملة عمّا قد يحدث، منتقداً تقاعسها في فتح أي تحقيق جدي يكشف حقيقة المعتدين ومن يقف وراءهم.
الاتحاد شدّد أيضاً على أن “استهداف المنظمة النقابية ليس سوى محاولة للهروب من المفاوضات الاجتماعية والتنصل من الالتزامات تجاه العمال”، مؤكداً أن طاولة الحوار تبقى الإطار الوحيد لحل المشاكل والأزمات الاجتماعية في البلاد.
خلفية الأزمة: قمع يتعمق
الأزمة الراهنة ليست حدثاً معزولاً، بل تأتي في سياق تصعيد متواصل من قبل الرئيس قيس سعيّد ضد المنظمات المستقلة وخصومه السياسيين. فبعد أن أحكم قبضته على البرلمان والقضاء، اتجهت سهام السلطة الآن نحو الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يشكل إحدى آخر قلاع المعارضة الاجتماعية.
الهجوم الإعلامي والسياسي ضد الاتحاد – تحت ذريعة “تطهيره من الفساد” – يعكس محاولة واضحة لتقليم أظافره وشل دوره التاريخي كفاعل وطني يحمي حقوق العمال ويدافع عن الحريات العامة.
المخاطر على السلم الاجتماعي
تصعيد السلطة ضد الاتحاد النقابي يثير مخاوف حقيقية من انزلاق البلاد إلى مزيد من التوتر الاجتماعي والسياسي. فالاتحاد، الذي كان في مقدمة القوى المدافعة عن الديمقراطية منذ الاستقلال، يُعتبر اليوم في مرمى السلطة التي تحاول عزله وتشويه سمعته.
النقابيون حذروا من أن “الشحن المتزايد” ضدهم قد يؤدي إلى صدام مباشر في الشارع، وهو ما قد يعصف بالسلم الأهلي الهش أصلاً في تونس، خصوصاً في ظل أزمة اقتصادية خانقة واحتقان اجتماعي متفاقم.
خاتمة: تونس إلى أين؟
التطويق الأمني لمقر اتحاد الشغل في صفاقس ليس مجرد إجراء أمني عابر، بل يعكس مرحلة جديدة من قمع قيس سعيّد وتضييقه على الحريات والنقابات. فبدل الحوار الاجتماعي والبحث عن حلول لأزمة البلاد، يبدو أن السلطة اختارت سياسة الترهيب والاستهداف.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل يدفع هذا التصعيد تونس نحو مواجهة مفتوحة بين السلطة وأكبر قوة اجتماعية في البلاد؟ أم أن الاتحاد سينجح مرة أخرى في الدفاع عن استقلاليته ومكانته كقلعة نضالية عصية على الكسر؟
الجواب سيحدده القادم من الأيام، لكن المؤكد أن ما يحدث في صفاقس اليوم يعكس لحظة مفصلية في علاقة السلطة بالمجتمع المدني، قد تعيد تونس إلى مربع الخوف والاستبداد الذي ثار الشعب عليه قبل أكثر من عقد.
اقرأ أيضًا : الأمم المتحدة: الإمارات تغذي مجاعة تهدد 18 مليونا في اليمن