شهدت العاصمة الألمانية برلين، السبت، موجة جديدة من الاحتجاجات المناهضة للعدوان الإسرائيلي على غزة، حيث خرج مئات المتظاهرين في مسيرة حاشدة تطالب بوقف تصدير الأسلحة للاحتلال، وتندد بمشاركة ألمانيا السياسية والعسكرية في ما يصفه المحتجون بـ”الإبادة الجماعية” بحق الفلسطينيين. وبرغم الطابع السلمي للمسيرة، واجهت الشرطة المحتجين بعنف لافت، ما أثار انتقادات واسعة حول أسلوب تعامل السلطات الألمانية مع الأصوات الداعمة لفلسطين خلال العامين الأخيرين.

مسيرة حاشدة.. هتافات ضد الإبادة وتنديد بالتواطؤ الألماني
انطلقت المسيرة من أمام مبنى بلدية نويكولن، أحد أكثر أحياء برلين تنوعًا، حيث تجمع مئات الأشخاص رافعين الأعلام الفلسطينية ولافتات كُتب عليها: “أوقفوا الإبادة”، “لا أسلحة لإسرائيل”، و”ألمانيا تلطخ يديها بدماء الفلسطينيين”. وشقّت الحشود طريقها نحو حي كرويزبيرغ مرورًا بميدان هيرمان، في مظاهرة أعادت التذكير بالزخم المتصاعد لحركات التضامن مع فلسطين في أوروبا، رغم محاولات التضييق الرسمية.
الهتافات المناهضة للاحتلال ترددت بقوة بين الشوارع، إذ اتهم المشاركون الحكومة الألمانية بأنها “شريك مباشر” في جرائم الحرب عبر مواصلة تزويد إسرائيل بالسلاح، وتوفير غطاء سياسي لها في المحافل الدولية. ويؤكد منظمو المسيرة أنّ استمرار الدعم العسكري الألماني يجعل برلين “طرفًا مشاركًا” في المجزرة المستمرة في غزة.
ردّ الشرطة: اعتقالات وضرب وتفريق بالقوة
ورغم سلمية المظاهرة، اتخذت الشرطة الألمانية إجراءات أمنية مشددة، واعتقلت عددًا من المتظاهرين بحجة “خرق قواعد التجمهر”. لكنّ مقاطع مصورة وشهادات ميدانية كشفت استخدامًا مفرطًا للقوة، خصوصًا عند نقطة التقاء شارعي سكاليتر ومانتويفل، حيث انتهت المسيرة.
وأظهرت اللقطات قيام عناصر الشرطة بدفع المتظاهرين بعنف، ومحاولة تفريقهم بالقوة، فيما أثار اعتقال أحد المشاركين من ذوي البشرة السمراء غضب الحشود، بعد تقييده بعنف واقتياده إلى سيارة الشرطة، حيث ظهر أحد الضباط وهو يوجه له ضربات داخل المركبة. هذا المشهد صعّد التوتر في المكان، ودفع الحاضرين لإطلاق هتافات تدين “العنصرية المؤسسية” و”القمع الأمني” ضد الأصوات المتضامنة مع فلسطين.
القرار الحكومي برفع قيود تصدير الأسلحة.. شرارة غضب جديدة
تزامنت الاحتجاجات مع قرار حكومي أثار استياءً واسعًا، إذ أعلنت برلين منتصف الشهر الماضي رفع القيود المفروضة منذ آب/أغسطس على تصدير الأسلحة لإسرائيل، رغم التقارير الأممية والحقوقية التي تتحدث عن جرائم حرب في غزة.
وبحسب الناطق باسم الحكومة سيباستيان هيل، فإن التعامل مع الصادرات العسكرية إلى الاحتلال سيجري الآن وفق “تقييمات فردية”، كما هو الحال مع أي دولة أخرى، في خطوة اعتبرها المحتجون محاولة “لتطبيع الدعم العسكري” رغم فداحة الانتهاكات.
وبرر المستشار فريدريش ميرتس القيود السابقة بأنها جاءت ردًا على نية إسرائيل توسيع هجومها على مدينة غزة، لكنه أكد أن وقف إطلاق النار الذي بدأ في 10 أكتوبر “مهّد لإعادة النظر في هذه السياسة”، وهو تبرير يراه حقوقيون “متناقضًا”، خاصة مع استمرار الخروقات اليومية للهدنة وسقوط الضحايا.
الدعم الألماني للاحتلال: سياسة راسخة رغم الاحتجاجات
تحتل ألمانيا المرتبة الثانية عالميًا في تزويد الاحتلال بالسلاح بعد الولايات المتحدة، وقد تضاعف هذا الدعم خلال السنوات الأخيرة، خاصة على مستوى الغواصات، أنظمة الدفاع الجوي، وقطع الغيار العسكرية. ومع اندلاع الحرب على غزة، قدمت برلين دعمًا سياسيًا واضحًا لإسرائيل، معتبرة ما يحدث “حقًا في الدفاع عن النفس”، وهو خطاب اعتمدته الحكومة لتبرير مواقفها رغم الانتقادات الدولية.
وخلال العدوان، امتنعت الحكومة الألمانية عن إدانة القصف الواسع الذي استهدف المدنيين، بل دافعت علناً عن “حق إسرائيل في القيام بعملياتها”، في موقف أثار غضب الجاليات العربية والإسلامية، إلى جانب المنظمات الحقوقية الألمانية التي ترى أن هذا الدعم “يتناقض مع التزامات برلين التاريخية في حماية حقوق الإنسان”.
ويشير محللون إلى أنّ ألمانيا باتت تتبنى سياسة “اصطفاف كامل” مع إسرائيل، سواء عبر الدعم العسكري، أو عبر القمع الداخلي للاحتجاجات المؤيدة لفلسطين، حيث شهد العام الماضي حظر العديد من المظاهرات في برلين، ومنع رفع الأعلام الفلسطينية في المدارس والفعاليات العامة. ويعتبر المحتجون هذا النهج “محاولة لإسكات الرواية الفلسطينية” خدمةً للاحتلال.
خاتمة: احتجاجات مرشحة للتصاعد
المسيرة الأخيرة في برلين ليست حدثًا معزولًا، بل تأتي في إطار موجة أوروبية متنامية ترفض الإبادة في غزة وتطالب بفرض حظر شامل على تصدير السلاح للاحتلال. لكن استمرار الحكومة الألمانية في تشديد قبضتها الأمنية، وتجاهلها للنداءات الحقوقية، يعمّق الهوة بينها وبين شرائح واسعة من المجتمع الألماني.
ومع بقاء سياسة برلين الداعمة للاحتلال على حالها، يتوقع مراقبون أن تشهد العاصمة تظاهرات أكبر خلال الأسابيع القادمة، في مواجهة ما يصفه المحتجون بـ”تواطؤ رسمي” يجعل ألمانيا جزءًا من استمرار الكارثة الإنسانية في غزة.
اقرأ أيضًا : نتنياهو يهاجم عمدة نيويورك ويتحدّى تهديداته: “سآتي إلى نيويورك رغماً عنه”.. إصرار المجرم وتهافت الرواية الإسرائيلية