شهدت مدينة تل أبيب مساء الأحد واحدة من أكبر التظاهرات منذ بدء الحرب على غزة، حيث احتشد عشرات الآلاف في ساحة مركزية ضمن الإضراب العام الذي دعت إليه عائلات الأسرى والجنود القتلى. هذه التظاهرات لم تكن مجرد حدث عابر، بل مثلت تصعيدًا نوعيًا في معركة داخلية آخذة في الاتساع، تكشف عن عمق الشرخ بين المجتمع الإسرائيلي وحكومة بنيامين نتنياهو.
فالمطالب التي رفعها المحتجون لم تعد تقتصر على استعادة الأسرى من غزة، بل امتدت لتشكل تحديًا وجوديًا لحكومة اليمين المتطرف.

مطالب المحتجين: صفقة تبادل حتى لو توقفت الحرب
بحسب القناة 12 العبرية، احتشدت عشرات الآلاف من العائلات والمتضامنين للمطالبة بإبرام صفقة تبادل أسرى مع حركة حماس. الشعارات والهتافات ركزت على فكرة أن “حياة الأسرى فوق كل اعتبار”، حتى لو كان الثمن وقف الحرب. هذا المطلب يعكس تحوّلًا لافتًا في الرأي العام الإسرائيلي، إذ لم يعد الحديث عن “حسم عسكري” أو “تحقيق نصر” هو الشعار السائد، بل إنقاذ حياة الرهائن بأي ثمن.
اللافت أن المظاهرات جاءت متزامنة مع إضراب شامل شلّ قطاعات واسعة في البلاد. فقد أغلقت مئات الشركات أبوابها، وعلّقت بلديات نشاطاتها، وتوقف جزء كبير من المواصلات العامة، بما في ذلك خطوط القطارات الحيوية، ما تسبب في ازدحام خانق. هذا العصيان المدني الجزئي يعكس أن الاحتجاج لم يعد حراكًا رمزيًا، بل أداة ضغط فعّالة تهدف إلى شل مؤسسات الدولة ودفع الحكومة نحو التراجع.
نتنياهو في مأزق سياسي وأخلاقي
المطالب التي يرفعها المحتجون تضع نتنياهو في زاوية حرجة. فهو من جهة يدرك أن الاستجابة لمطلب إبرام صفقة تبادل كبيرة مع حماس – قد تشمل الإفراج عن آلاف الأسرى الفلسطينيين – ستؤدي إلى انهيار ائتلافه الحكومي، خاصة مع تمسك وزراء من أقصى اليمين مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش برفض أي تنازل للفلسطينيين. ومن جهة أخرى، فإن تجاهل هذه المطالب يهدد بتفجير الشارع الإسرائيلي وانهيار ثقة الجمهور بالحكومة والجيش.
تتهم المعارضة الإسرائيلية نتنياهو بشكل مباشر بأنه يُفشل المفاوضات مع حماس لأسباب شخصية، إذ يخشى أن يؤدي اتفاق تبادل شامل إلى انهيار حكومته وبالتالي فقدانه الحصانة السياسية والقانونية التي تحميه من ملفات الفساد. هذا الاتهام يجد صداه لدى قطاعات واسعة من الشارع الإسرائيلي التي ترى في بقاء نتنياهو في الحكم عبئًا يتجاوز كلفة الحرب نفسها.
حماس على الطاولة: معادلة “الكل مقابل الكل”
على الجانب الآخر، تعلن حركة حماس مرارًا استعدادها لإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين دفعة واحدة مقابل وقف الحرب وانسحاب جيش الاحتلال من قطاع غزة، إلى جانب الإفراج عن آلاف الأسرى الفلسطينيين. المعادلة واضحة: “الكل مقابل الكل”. لكن هذه الصيغة تعني بالنسبة لنتنياهو تسليم ورقة انتصار سياسي وعسكري لحماس، وهو ما يرفضه حتى الآن.
ومع ذلك، فإن استمرار الضغط الشعبي قد يجبر الحكومة الإسرائيلية على القبول بشروط أقرب إلى ما تطرحه حماس. فعدد الأسرى الإسرائيليين المتبقين في غزة يُقدّر بحوالي 50، بينهم 20 على قيد الحياة، مقابل أكثر من 10 آلاف و800 أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية، يعيشون ظروفًا مأساوية من التعذيب والإهمال الطبي والتجويع. هذه الفجوة الرقمية تمنح حماس ورقة تفاوضية قوية تجعل نتنياهو في موقف أضعف مما يحاول إظهاره.
الحرب على غزة.. كلفة بشرية تهدد بتفجير الداخل
تتزامن هذه التظاهرات مع استمرار الحرب التي ارتكب فيها الاحتلال مجازر مروعة. فبحسب آخر الإحصاءات، بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين 61,944، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى أكثر من 155 ألف جريح، و9 آلاف مفقود، ومئات آلاف النازحين. المجاعة وحدها أزهقت أرواح 251 شخصًا، بينهم 108 أطفال. هذه الأرقام، التي لا تغيب عن النقاش الداخلي في إسرائيل، تزيد من حالة الاستنزاف النفسي والعسكري للمجتمع.
فشل الجيش في تحقيق “نصر سريع”، وتكبد خسائر بشرية كبيرة بين الجنود، خلق مناخًا من الشك والاحتجاج داخل إسرائيل، تُرجم في هذه المليونيات التي باتت تُعدّ أكبر تهديد داخلي لحكومة نتنياهو منذ بداية الحرب.
خاتمة: الشارع الإسرائيلي يضع نتنياهو أمام خيارين أحلاهما مُر
التظاهرات المليونية في تل أبيب لم تكن مجرد صرخة إنسانية من عائلات الأسرى، بل تحولت إلى معركة سياسية تهدد بقاء نتنياهو في الحكم. فهو اليوم بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الرضوخ لمطالب الشارع وإبرام صفقة تبادل مع حماس، بما يحمله ذلك من ثمن سياسي داخلي قد يؤدي إلى انهيار حكومته، أو الاستمرار في التعنت، بما يعنيه ذلك من توسع الغضب الشعبي وانفجار أزمة داخلية قد تتحول إلى عصيان مدني شامل.
بهذا المعنى، لا تكشف المظاهرات فقط عن مأساة الأسرى، بل عن مأزق وجودي لرجل فقد القدرة على المناورة، وأصبح بين مطرقة الشارع الإسرائيلي وسندان المقاومة الفلسطينية.
اقرأ أيضًا : أمريكا توقف تأشيرات الزيارة للفلسطينيين القادمين من غزة: خطوة عقابية جديدة