مع انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام مشهد سياسي وعسكري معقد، تحاول فيه إسرائيل فرض شروطها التعسفية والاستمرار في تهربها من الالتزامات المبرمة. 

فمنذ بدء الاتفاق في 19 يناير/كانون الثاني 2025 وحتى 1 مارس لم تتوقف الانتهاكات الإسرائيلية، التي لم تقتصر على منع دخول المساعدات والمستلزمات الضرورية، بل امتدت إلى المماطلة في تنفيذ البنود الأساسية، مثل إدخال البيوت المتنقلة وإعادة تأهيل القطاع الصحي والبنية التحتية.

الاحتلال الذي تكبد هزائم ميدانية موجعة على أيدي المقاومة الفلسطينية، يحاول الآن تعويض خسائرها عبر فرض مزيد من التضييقات على قطاع غزة، وإطالة أمد المرحلة الأولى من الاتفاق دون الدخول في الثانية، التي تنص على وقف العمليات العسكرية بشكل دائم وانسحاب جيش الاحتلال بالكامل من القطاع. 

موقف تل أبيب يعكس بوضوح نيتها التهرب من أي التزام قد ينهي عدوانها المستمر، ويكشف عن مخططها لإطالة الحرب عبر ذرائع أمنية واهية.

المماطلة في تنفيذ الاتفاق والتلاعب ببنوده

إحدى النقاط الرئيسية التي لم يلتزم بها الاحتلال خلال المرحلة الأولى كانت إدخال البيوت المتنقلة، التي يبلغ عددها 60 ألف وحدة، والتي تعتبر حاجة إنسانية ملحة في ظل الدمار الهائل الذي خلفته الحرب. 

إضافة إلى ذلك، تعمدت إسرائيل تقليص عدد الخيام والمساعدات الحيوية، ووضعت قيودًا مشددة على إدخال المعدات اللازمة لإعادة تأهيل البنية التحتية والمرافق الصحية، في محاولة لإبقاء غزة في حالة شلل مستمر.

كما سعى الاحتلال الإسرائيلي إلى تعطيل خروج الجرحى والمرضى عبر معبر رفح، رغم التفاهمات التي تقضي بضرورة تسهيل عمليات الإجلاء الطبي. 

وليس ذلك فحسب، بل استمرت قوات الاحتلال في استهداف الفلسطينيين داخل القطاع، ومنعت العودة السلسة للنازحين إلى مناطقهم، الأمر الذي يعكس نهجًا ممنهجًا لإبقاء الأوضاع الإنسانية في غزة ضمن دائرة الأزمة الدائمة.

نتنياهو ومخطط التلاعب بالمرحلة الثانية

تحاول حكومة الاحتلال بقيادة بنيامين نتنياهو التلاعب بالاتفاق من خلال رفض الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي كان من المفترض أن تبدأ بعد 16 يومًا من المرحلة الأولى وتنتهي قبل نهاية الأسبوع الخامس. 

هذه المرحلة تشمل وقفًا دائمًا لإطلاق النار، وانسحابًا إسرائيليًا كاملًا من قطاع غزة، إلا أن الاحتلال يرفض بشكل قاطع التفاوض حول هذه النقطة.

الذرائع التي يسوقها نتنياهو لهذا التهرب ترتكز على أربعة شروط رئيسية: عدم استمرار حكم حركة حماس في غزة، نزع سلاح المقاومة، إخراج قادة الحركة من القطاع، ورفض تسليم إدارة غزة للسلطة الفلسطينية. 

هذه الشروط ليست إلا غطاءً لاستمرار الاحتلال وفرض واقع جديد يتوافق مع التصورات الإسرائيلية والأمريكية حول مستقبل القطاع، خاصة في ظل التقارير التي تشير إلى أن نتنياهو يسعى إلى تنفيذ خطة طويلة الأمد تهدف إلى إعادة احتلال غزة بشكل غير مباشر.

مخططات إسرائيلية لإدارة غزة تحت السيطرة الكاملة

بحسب ما كشفته تقارير إعلامية، تسعى حكومة الاحتلال إلى تنفيذ خطة لإدارة غزة تقوم على إنشاء “مراكز إنسانية” لتوزيع المساعدات، تخضع لرقابة مشددة، وتكون تحت السيطرة الكاملة للجيش الإسرائيلي. 

هذه الخطة، التي سبق وأن تم تجريبها وفشلت قبل عام، تفرض قيودًا صارمة على حركة الفلسطينيين، وتجعل من إيصال المساعدات عملية خاضعة لموافقة الاحتلال فقط.

بالإضافة إلى ذلك، تسعى إسرائيل إلى منع دخول المساعدات عبر معبر رفح، وتحويل معبر كرم أبو سالم إلى المدخل الوحيد لغزة، مما يمنحها سيطرة مطلقة على تدفق الإمدادات. 

هذا السيناريو، الذي يهدف إلى فرض حصار اقتصادي وإنساني خانق على الفلسطينيين، هو امتداد لاستراتيجية الاحتلال في استخدام الغذاء والدواء كسلاح ضغط سياسي.

حماس ترفض التمديد دون تنفيذ كامل للاتفاق

في مواجهة هذا التعنت الإسرائيلي، أكدت حركة حماس التزامها الكامل بتنفيذ جميع مراحل الاتفاق، لكنها رفضت بشكل قاطع محاولات الاحتلال لتمديد المرحلة الأولى وفق شروط جديدة تخدم أجندته العسكرية. 

وأوضحت الحركة أن الاحتلال يحاول استغلال الوقت لاستعادة جنوده الأسرى، بينما يستمر في استهداف القطاع دون تقديم أي التزامات حقيقية نحو التهدئة.

المتحدث باسم الحركة، حازم قاسم، شدد على أن تل أبيب تريد إعادة الأمور إلى نقطة الصفر من خلال خلط الأوراق وتأجيل تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، مما يعكس بوضوح نية الاحتلال في إدارة النزاع وفق مصالحه، لا وفق مقتضيات الحل السياسي العادل.

نتنياهو والرهان على استمرار الحرب

من الواضح أن نتنياهو يراهن على استمرار الحرب لتحقيق مكاسب سياسية داخلية، خاصة في ظل الضغوط التي يواجهها داخل إسرائيل.

فبعد أن فشلت حكومته في تحقيق انتصار عسكري حاسم، يحاول اللعب على وتر الأمن القومي الإسرائيلي لتمديد الأزمة، وكسب الوقت لإعادة ترتيب الأوراق السياسية والعسكرية.

التسريبات الإعلامية تشير إلى أن نتنياهو ينتظر تسلم رئيس الأركان الجديد، إيال زامير، مهامه رسميًا في 6 مارس/آذار، من أجل صياغة استراتيجية جديدة تجاه غزة. 

وهذه الاستراتيجية، وفقًا لمصادر إسرائيلية، ستعتمد على العودة إلى التصعيد العسكري، وإعادة احتلال أجزاء من القطاع بحجة “ضمان الأمن”.

موقف المجتمع الدولي والضغوط الممكنة

في ظل هذا التصعيد الإسرائيلي، يظل الدور الدولي محدودًا في إجبار إسرائيل على الالتزام بالاتفاق، رغم بعض الضغوط من الأطراف الوسيطة مثل مصر وقطر والولايات المتحدة. 

لكن تل أبيب تستفيد من الغطاء الأمريكي الواسع، الذي يمنحها هامشًا كبيرًا من المناورة لفرض شروطها.

ما تحتاجه غزة الآن هو تحرك دولي أكثر جدية لإلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها، والضغط على الاحتلال لإنهاء سياسات الحصار والتجويع والعدوان، فاستمرار الوضع على ما هو عليه، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التصعيد، وسيجعل من أي اتفاق مستقبلي مجرد هدنة مؤقتة، سرعان ما تنهار أمام التعنت الإسرائيلي.

إلى أين يتجه اتفاق غزة؟

ما يجري الآن في قطاع غزة ليس مجرد مراوغة سياسية من قبل نتنياهو، بل هو محاولة ممنهجة لفرض أمر واقع جديد يتجاهل الحقوق الفلسطينية، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاحتلال غير المباشر. 

إن استمرار المقاومة الفلسطينية في فرض شروطها، والضغط الشعبي والدولي، هو السبيل الوحيد لمنع الاحتلال من تحقيق أهدافه، وضمان تنفيذ الاتفاق وفقًا لما تم التفاهم عليه.

في النهاية، ما يجري ليس مجرد جولة تفاوضية عادية، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الفلسطينيين على فرض إرادتهم السياسية والميدانية، ومنع الاحتلال من تحويل اتفاق التهدئة إلى أداة لإدامة الحصار والعدوان.

اقرأ أيضًا : المواجهة أم الدبلوماسية.. كيف يواجه حكام دمشق الجدد التصعيد الإسرائيلي؟