في واحدة من أكثر الحلقات المنتظرة، عاد برنامج التحقيقات الشهير “ما خفي أعظم” ليكشف تفاصيل جديدة حول واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية التي هزّت الضمير العالمي: جريمة قتل الطفلة الفلسطينية هند رجب، ذات الخمس سنوات، التي قضت برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي في يناير/كانون الثاني 2024 أثناء محاولتها النجاة من القصف في حي تل الهوا جنوب غزة.

البرنامج الذي يبث على شاشة الجزيرة في تمام العاشرة مساءً تحت عنوان “الملاحقون”، توصل -وفق ما أعلنت القناة- إلى صور وأسماء الضباط والجنود الإسرائيليين المتورطين في الجريمة، مستندًا إلى وثائق، ومقاطع فيديو، وبيانات استخباراتية حصرية. وتُعد هذه المرة الأولى التي يتم فيها الكشف علنًا عن هويات قتلة الطفلة هند، إلى جانب ضلوع بعضهم في جرائم حرب أخرى ضد المدنيين في غزة.

المأساة: نداء طفلة وسط الركام

تعود القصة إلى 29 يناير/كانون الثاني 2024، حين كانت الطفلة هند رجب برفقة والدتها وعدد من أفراد أسرتها داخل سيارة تحاول الفرار من القصف الإسرائيلي في حي تل الهوا. فجأة، أمطرت دبابة إسرائيلية السيارة بوابل من الرصاص، فأردت كل من فيها قتلى، باستثناء هند التي بقيت عالقة بين جثثهم لساعات طويلة.

في تلك اللحظات المفجعة، اتصلت هند بوالدتها مستغيثة: “تعالي خذيني يا أمي”، قبل أن ينقطع صوتها تدريجيًا وسط دوي الرصاص. كما تواصلت فرق الهلال الأحمر الفلسطيني مع الطفلة الصغيرة بعد تلقيهم نداءً من صديقتها ليان حمادة التي كانت برفقتها، قبل أن يُسمع صوت إطلاق النار عليها أيضًا.

ومع تأكيد الارتباط الفلسطيني وجود الطفلة على قيد الحياة، أُرسل طاقم إسعاف خاص لإنقاذها، لكن الاتصال انقطع بالمسعفين بعد ساعات، ولم يُعرف مصيرهم حتى عُثر على جثثهم لاحقًا إلى جوار السيارة، في محيط دوار المالية جنوب غزة، بعد انسحاب القوات الإسرائيلية في فبراير/شباط 2024.

الأدلة: من الأقمار الصناعية إلى التحقيقات الجنائية

لم تمر الجريمة دون تتبعٍ دقيق. فقد أجرت صحيفة واشنطن بوست تحقيقًا موسعًا استعانت فيه بصور الأقمار الصناعية وشهادات ميدانية، أكدت من خلاله أن أربع مركبات عسكرية إسرائيلية كانت على بعد أقل من 300 متر من موقع الجريمة، في مرمى رؤية مباشر للسيارة المستهدفة.

وكشف التحقيق أن الذخيرة التي اخترقت سيارة العائلة وسيارة الإسعاف مطابقة للذخيرة التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي، بينما أظهر تحليل المكالمات أن السيارة تعرضت لـ72 طلقة خلال ست ثوانٍ فقط، وهي مدة قصيرة تكفي لتأكيد أن الاستهداف كان متعمدًا وليس عشوائيًا.

أما تقرير منظمة “فورينزيك أركيتكشر” البريطانية، الذي صدر في أبريل/نيسان 2024، فقد حسم الجدل بشكل قاطع، إذ أكد أن إطلاق النار تم من دبابة إسرائيلية كانت ترى بوضوح الركاب داخل السيارة، وأن طاقم الإسعاف الذي هرع لإنقاذ الطفلة تعرض بدوره لإطلاق النار من الدبابة ذاتها. هذه النتائج وضعت الجيش الإسرائيلي في دائرة الاتهام المباشر بارتكاب جريمة قتل عمد ضد مدنيين محميين بالقانون الدولي.

كما وصل التحقيق الذي بثته “الجزيرة” إلى سرية الدبابات التي كانت تعمل على الأرض ونفذت عملية القتل بشكل مباشر.

وقال دياب أبو جهجه، المدير التنفيذي لمؤسسة “هند رجب” والذي استضافه البرنامج: “السرية اسمها إمبراطورية مصاصي الدماء، وقائد السرية الذي أعطى أمرا بإطلاق النار والمسؤول عن قتل الطفلة هو شون بلاس”.

وأفاد البرنامج بأن التحقيق توصل إلى “صور جنود السرية وتفاصيلهم، من بينهم إيتاي شوكيركوف الذي يحمل الجنسية الأرجنتينية إلى جانب الإسرائيلية”.

التحقيق الاستقصائي: من الميدان إلى الوجوه

البرنامج الجديد من “ما خفي أعظم” لا يكتفي بإعادة سرد القصة، بل يتجاوزها إلى كشف هويات القتلة. وفق مصادر داخل الجزيرة، فإن فريق التحقيق اعتمد على بيانات رقمية، وتحليل صور أقمار صناعية، ومقاطع فيديو مسرّبة من جنود إسرائيليين، إضافة إلى معلومات حصل عليها من داخل إسرائيل ومن مؤسسات حقوقية أوروبية.

وتمكّن الفريق من تحديد أسماء وصور الضباط والجنود المسؤولين عن إطلاق النار على سيارة الطفلة، بعضهم يخدم في وحدات مدرعة تابعة للواء ناحال ولواء غولاني، بينما يحمل آخرون جنسيات أوروبية مزدوجة، وهو ما يفتح الباب أمام مطالبة قانونية بملاحقتهم أمام المحاكم الدولية.

كما يتعقب التحقيق مسارات هؤلاء الجنود بعد الحادثة، ويكشف عن تورط بعضهم في عمليات قصف أخرى استهدفت مدنيين في رفح وخان يونس، ما يجعلهم جزءًا من شبكة أوسع من الضباط الذين يُشتبه في ارتكابهم جرائم حرب ضد الأطفال والنساء في قطاع غزة.

صدى الجريمة: هند رمز إنساني يتحدى النسيان

تحولت قصة هند إلى رمز لمعاناة أطفال غزة، وظهرت صورها في تظاهرات بالعواصم الأوروبية، بينما طالبت منظمات مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بإجراء تحقيق دولي مستقل في الجريمة.

اليوم، ومع إعلان “ما خفي أعظم” الكشف عن أسماء المتورطين للمرة الأولى، يأمل الفلسطينيون أن تتحول القصة من مجرد مأساة إلى قضية ملاحقة قانونية وإنسانية ضد مجرمي الحرب الإسرائيليين.

وفي المقابل، لم يصدر عن الجيش الإسرائيلي أي تعليق رسمي حتى الآن، مكتفيًا بتكرار عباراته المعتادة عن “التحقيق الداخلي”، في حين يرى مراقبون أن التحقيق الإعلامي للجزيرة يُعد أكثر جدية وشفافية من أي تحقيق عسكري إسرائيلي.

خاتمة: ما خفي كان أعظم… والعدالة لا تموت

الحلقة ليست مجرد وثائقي، بل محاولة لاستعادة العدالة من بين الركام. فبينما يحاول الاحتلال طمس الحقيقة، يضع “ما خفي أعظم” العالم أمام وجوه وأسماء من أطلقوا النار على طفلة تستغيث بأمها.

إنها ليست قصة هند وحدها، بل قصة مئات الأطفال الذين قُتلوا بصمت في غزة. وكما يشير عنوان الحلقة “الملاحقون”، فإن الجناة قد يختفون خلف الحدود أو الجوازات المزدوجة، لكنهم سيظلون مطاردين بجرائمهم، لأن ما خفي كان أعظم، ولأن دماء هند لن تُنسى.

اقرأ أيضًا : المقاومة تلتزم واتفاق شرم الشيخ يُخرق.. حماس توثّق جرائم الاحتلال وتطالب بمحاسبته