أثار الداعية السعودي عائض القرني موجة واسعة من الجدل بعد تراجعه عن تعزية العلامة والمحدث المصري الراحل أبي إسحاق الحويني، حيث حذف تغريدته التي وصف فيها الحويني بـ”فضيلة الشيخ العلامة المحدث الجليل”، واستبدلها بتغريدة أخرى أوضح فيها موقفه، مؤكدًا التزامه بمنهج ولاة الأمر في المملكة السعودية.
هذه الحادثة أثارت تساؤلات كثيرة حول موقع القرني داخل المنظومة الدينية السعودية، وعلاقته بالسلطة، ودوره كأحد أبرز “شيوخ السلطان” في المملكة.

القرني والتراجع عن التعزية: ضغوط سياسية أم مراجعة فكرية؟
لم يكن حذف القرني لتغريدته مجرد تصرف عابر، بل كان مؤشرًا واضحًا على مدى ارتباطه بالخطاب الرسمي السعودي.
في بيانه التوضيحي، أكد أنه لم يكن على دراية “بتفاصيل منهج” الحويني، وأنه يتبع مذهب أهل السنة والجماعة وفقًا لرؤية “ولاة الأمر”، في إشارة إلى الملك سلمان وولي العهد محمد بن سلمان.
هذا التصريح يعكس موقفًا واضحًا بأن القرني لم يتخذ قراره من منطلق اجتهاد شخصي، بل جاء استجابة لضغوط محتملة من جهات رسمية أو جماعات مؤيدة للنظام السعودي.
من جهة أخرى، فإن حذف التعزية بعد ساعات من نشرها يوحي بأن القرني ربما تلقى توجيهات من أطراف عليا لمراجعة موقفه، خصوصًا أن هناك حسابات سعودية معروفة بشن حملات على من يخالف الرؤية الرسمية، كانت قد انتقدت بشدة من نعى الحويني بسبب مواقفه السابقة التي تُعتبر معارضة للسياسات السعودية.
هذا الأمر يعزز فكرة أن التحركات التي يقوم بها الداعية السعودي ليست بالضرورة نابعة من قناعات شخصية، وإنما تعكس توجيهات تتماشى مع التوجهات الرسمية للدولة.
عائض القرني: شيخ السلطة في خدمة بن سلمان؟
يُعد عائض القرني نموذجًا لما يُعرف بـ”شيوخ السلطان”، أي الدعاة الذين يعيدون توجيه خطابهم الديني بما يتوافق مع سياسات الدولة، وخصوصًا في ظل التغيرات التي شهدتها السعودية خلال عهد ولي العهد محمد بن سلمان.
فقد عُرف القرني في السابق بانتمائه للتيار الصحوي الذي كان له تأثير قوي في السعودية خلال التسعينيات، لكنه سرعان ما غير موقفه جذريًا بعد وصول بن سلمان إلى الحكم، ليصبح أحد أبرز الدعاة المدافعين عن سياسات ولي العهد، حتى في القضايا المثيرة للجدل مثل الانفتاح الاجتماعي، وإصلاحات هيئة الترفيه، وموقف السعودية من الإسلاميين.
تراجع القرني عن تعزية الحويني يعكس مدى ارتباطه بالسلطة، حيث بات واضحًا أن موقفه من الشخصيات الإسلامية لم يعد يُحدد بناءً على مكانتها العلمية أو تأثيرها الدعوي، وإنما وفقًا لموقفها السياسي من النظام السعودي.
فمن المعروف أن الحويني كان يُنظر إليه على أنه أحد رموز التيار السلفي في العالم الإسلامي، لكنه في الوقت ذاته لم يكن على توافق تام مع توجهات السعودية الجديدة، خصوصًا مع الانفتاح الكبير الذي شهدته المملكة في السنوات الأخيرة، وهو ما جعله في دائرة الاستهداف الإعلامي السعودي.
هذه الواقعة تعزز الاتهامات الموجهة لعائض القرني بأنه تحول إلى “أداة” بيد السلطة، يُستخدم لإعادة تشكيل الخطاب الديني في السعودية بما يتوافق مع رؤية محمد بن سلمان.
فقد سبق للقرني أن أطلق تصريحات تُهاجم “الصحوة الإسلامية”، ووصفها بأنها كانت “خاطئة”، وقدم اعتذارًا علنيًا عنها، وهو ما اعتُبر حينها خطوة مدروسة لتهيئته للعب دور داعية الدولة الجديد.
دلالات أعمق: هل يتحول رجال الدين إلى أبواق سياسية؟
تكشف هذه الحادثة عن تحولات جذرية في علاقة الدين بالسلطة في السعودية، حيث لم يعد يُسمح لأي داعية أو شيخ بأن يتحرك بحرية في مواقفه، حتى لو كان ذلك في أمور إنسانية مثل التعزية.
فالتصنيف الجديد الذي باتت السلطة تفرضه، يقوم على مبدأ الولاء المطلق، بحيث يتم تحديد المقبولين والمرفوضين بناءً على مدى توافقهم مع الرؤية السياسية للدولة، وليس بناءً على آرائهم الفقهية أو مكانتهم العلمية.
كما أن التراجع العلني لعائض القرني، واللغة التي استخدمها في بيانه، تُظهر مدى أهمية “الولاء السياسي” في تحديد موقف الدعاة داخل المملكة.
فحين يقول إنه “مع ولاة أمرنا الذين بايعناهم”، فهو يرسل رسالة واضحة بأن الولاء السياسي أهم من أي انتماء فكري أو ديني، وأن الالتزام بخط السلطة هو المعيار الوحيد للبقاء في الساحة الدعوية السعودية.
هذه الظاهرة ليست جديدة تمامًا، لكنها تأخذ شكلًا أكثر وضوحًا في عهد محمد بن سلمان، حيث تم تصفية عدد من الشخصيات الدينية التي لم تتماشَ مع رؤية الدولة، مثل سلمان العودة، وعوض القرني، وعلي العمري، الذين تم اعتقالهم بسبب عدم تبنيهم الخطاب الجديد. أما الدعاة الذين أبدوا استعدادًا لإعادة صياغة خطاباتهم وفقًا لرؤية السلطة، فقد تم منحهم مساحات واسعة للتعبير، كما هو الحال مع عائض القرني.
ما الذي تعكسه هذه الواقعة عن مستقبل الخطاب الديني في السعودية؟
التراجع عن تعزية الحويني قد يبدو مجرد حدث بسيط، لكنه في الواقع يعكس تحولات عميقة في علاقة الدين بالسياسة داخل المملكة.
فالواقعة توضح أن رجال الدين لم يعودوا يملكون مساحة للاستقلالية، وأن الولاء للسلطة أصبح الشرط الأول للبقاء في المشهد الدعوي.
كما أنها تكشف عن استراتيجيات جديدة تتبعها السعودية لإعادة تشكيل المشهد الديني، بحيث يصبح “الشيخ الرسمي” مجرد أداة للترويج لسياسات الدولة، وليس صاحب رأي مستقل.
يبدو أن المستقبل سيشهد مزيدًا من تهميش الشخصيات الدينية التي لا تتماهى مع رؤية السلطة، مقابل تصعيد شيوخ يُعيدون إنتاج الخطاب الديني بما يتوافق مع توجهات الدولة.
ومع استمرار هذه السياسة، قد يتحول الخطاب الديني السعودي بالكامل إلى مجرد امتداد للسلطة، بدون أي مساحة للاجتهاد أو التعبير المستقل.
في النهاية، فإن قضية عائض القرني وتراجعه عن التعزية تكشف عمق الأزمة التي يعيشها العلماء والدعاة في السعودية، حيث باتت المواقف الدينية تُحدد ليس وفقًا للشرع أو الاجتهاد، وإنما بناءً على مدى قرب الداعية من السلطة، ومدى استعداده للتماهي مع أجندتها السياسية.